أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

في طبقات الشرعية.. حيث يكون الملك معمار الدولة

مدار الساعة,مناسبات أردنية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبت: دعاء الزيود -ليست كل الأسماء جديرة بأن تُفتح بها صفحات الكتابة؛ بعضها وحده يفتح الأفق على معمار الدولة، وأولها: الملك.

لا من جهة كونه لقبًا، وإنما من جهة كونه مرتبة تُعيد اصطفاف الوعي كلما ذُكرت. مقامًا تتقدّم أمامه اللغة وتعيد فرز مفرداتها، كأنها تدخل محضر السيادة لا الكتابة. في بلدٍ اجتاز أدقّ خرائط الإقليم، ونجا من عواصف لو هبّت على غيره لأحالته إلى ركام، ظلّ اسم الملك هو نقطة الارتكاز العليا؛ المرجعية التي تعود إليها الدولة كلما اضطربت البوصلات وتزاحمت السرديات وتثاقلت الأسئلة.

فالملك، في الوعي الأردني، ما يُنظر إليه كـ فاعل سياسي بين فاعلين ولا “موقعًا دستوريًا” بين مواقع؛ هو الضمانة السيادية التي تستقر عندها البلاد حين تتزاحم الإحداثيات، وهو مركز الثقل الذي تُقاس عليه اتجاهات الدولة وتتحرك حوله منظومة الشرعية.

ولأن الكتابة عنه كمعمار الدولة وعمق الشرعية الهاشمية، تصبح اللغة هنا محمولة على ميزانٍ آخر؛ ميزان يختلف عن مزاج المنابر. فالحديث عن الملك لا يُؤطَّر في معنى مادة إعلامية تُستهلك، وإنما مادة دولة تُقرأ بوصفها وعيًا سياسيًا أعلى من التفسير السريع والتحليل المرتجل.

في السنوات الأخيرة، تمدّدت الضوضاء الرقمية حتى ظنّ البعض أن “الترند” معيار، وأن “الجمهور العابر” بوصلة، وأن السرديات الطارئة قادرة على تزاحم خطاب الدولة. وهذه واحدة من أوهام العصر؛ لأن من يفهم بنية الدولة يعرف أن الخطاب الملكي لا يمكن اعتباره في جوهره خطابًا تواصليًا، وانما إطار إدارة، ومحدد استراتيجي لاتجاهات القرار العام، وخريطة تُقرأ في مؤسسات الدولة نفسها.

أخطر ما يفعله بعض الإعلام اليوم هو التعامل مع خطاب الملك بمنطق السهولة، كأنه مادة للنشر السريع. من يفعل ذلك، لا يسقط احترام النص الملكي فقط… وإنما يسقط احترام المهنة نفسها. فالملك رأس الشرعية السيادية، وميزان الدولة عند ارتباك الموازين.

ولعلّ أعمق ما قاله جلالة الملك في خطاب العرش الأخير: “نعم يقلق الملك؛ لكنه لا يخاف إلا الله، ولا يهاب شيئًا، وفي ظهره أردني.” هذه العبارة لا يمكن أن تُحسَب ماهيّتُها وصفًا لشعور، وإنما تعريفٌ للسلطة حين تُبنى على الثبات الأخلاقي والاستناد الشعبي. تعريفٌ لملكٍ يضع المصلحة الوطنية فوق اللحظة الخَطْفِيّة، ويعيد تذكير الدولة بدورها حين تتشوش الرؤية. في منطقة تُدار بالتحالفات المؤقتة والتدافعات الجيوسياسية، يقف الأردن على هندسة دقيقة: ثبات في الخط، مرونة في الأدوات، وقدرة على إعادة التموضع دون أن تهتزّ الهوية. وسط هذا النسق الدقيق الملك هو العقد الناظم الذي يحفظ توازن الداخل ويضبط خطوط الخارج، ويعيد تعريف ما هو وطني على أعتاب عصرٍ ازدحم فيه ما ليس وطنيًا.

يبقى اسم الملك، في الوجدان الأردني، مقامًا يعلو على السياسة، وعلى المداولات، وعلى السجالات، وعلى كل ما يحاول أن يخفض من منسوب الهيبة في منعطف خفّت فيه الأوزان وانكمشت فيه الأصوات.

تبقى الكتابة عنه اختبارًا للكاتب قبل أن تكون اختبارًا للنص؛ فإن لم تُكتب بمهابةٍ تليق بمقامه، فالأجدر ألا تُكتب. ستبقى المعادلة واضحة: حين يكون في القمة ملك يعيد ضبط الاتجاه… ويبقى على الأرض شعب يعي عظمة من ينقش اسمه بين أنفاس الأبدية.


مدار الساعة ـ