مدار الساعة - اختارت الأمم المتحدة الباحثة الأردنية - الفلسطينية صهباء الشوا ضمن الدفعة الخامسة من مبادرة القادة الشباب من أجل أهداف التنمية المستدامة لعام 2025، تقديرا لعملها الرائد في توظيف تكنولوجيا الفضاء لخدمة العدالة الاجتماعية والاستدامة. ومن خلال مبادراتها البحثية، تسعى الشوا إلى ربط العلم بالمسؤولية الأخلاقية في مواجهة الأزمات الإنسانية.
وصهباء الشوا هي باحثة في شؤون الفضاء والاستدامة؛ ومؤسسة معهد فلسطين لأبحاث الفضاء والمبادرة الأردنية لأبحاث الفضاء "جسري".وفي هذا المقال*، ومن خلال تجربتها الشخصية والعلمية، تسرد لنا الشوا كيف يمكن لتكنولوجيا الفضاء وبيانات الأقمار الصناعية أن تكون شاهدا على الظلم، وجسرا نحو العدالة والتنمية المستدامة."يقال إن الحدود لا ترى من الفضاء. لكن كعالمة فضاء أردنية - فلسطينية، أعرف أن ذلك ليس صحيحا. فعندما ننظر إلى غزة من المدار، تظهر الحدود أوضح من أي مكان آخر: خط خانق يطوق حياة كاملة، ويحول الجغرافيا إلى ملامح للعنف. من الفضاء، يبدو الظلم مرئيا كما لو أن الأرض نفسها تروي قصته.
رغم أنني لم أدخل فلسطين يوما، فإن قصص جدتي عن غزة شكلت رؤيتي. كانت تتحدث عنها كأنها كوكب آخر، مليء بالبحر والذاكرة والحياة، قبل أن تتحول إلى رمز للألم والصمود. ومع مرور الوقت، أدركت أن الطريق نحو العدالة يبدأ أحيانا من أبعد نقطة يمكن تخيلها؛ من الفضاء، ومن البيانات التي تكشف ما يراد إخفاؤه على الأرض.
وأنا ابنة فلسطين والأردن معا، نشأت على يقينٍ بأن الانتماء ليس مجرد مكان، بل مسؤولية ورؤية ومسار حياة. ومن إيماني بقدرتنا على صنع أثر إيجابي في هذا العالم، اخترت دراسة الفضاء والاستدامة؛ ثم حملت هذا العلم إلى استخدام التكنولوجيا الفضائية لخدمة المجتمعات التي أنتمي إليها.
طريقي إلى قطاع الفضاء لم يكن سهلا، واحتاج أكثر من عقد لأصل إليه. فكنت أحمل هوية تعتبر 'سياسية' وجواز سفر يحدد فرص الوصول، كما واجهت نظرة سائدة تطالب البعض بالصمت ليواصلوا العمل. لكني تعلمت أن صوتي ليس عبئا، بل دليلا على الطريق الذي يجب أن أسلكه.
في عام 2020 أسست المبادرة الأردنية لأبحاث الفضاء 'جسري' لتكون جسرا يصل بين الفضاء والتنمية المستدامة، وجسرا يتيح للشباب الأردنيين الوصول إلى قطاع الفضاء.
وخلال سنوات قليلة، أصبح "جسري" مساحة للتعليم والبحث والفرص، ونجحنا في تنفيذ أول مهمة تماثلية لمحاكاة الفضاء في الأردن، وأول مهمة تماثلية فضائية في العالم تتكون بالكامل من نساء عربيات. هذه التجارب لم تكن مجرد إنجازات علمية بل كانت إعادة تعريف لما هو ممكن في منطقتنا.
و بعد ذلك بثلاثة أعوام، أسست معهد فلسطين للفضاء ليكون الجسر الثاني الذي يصل بين المعرفة والعدالة. فالتكنولوجيا الفضائية يمكن أن تكون وسيلة للتنمية المستدامة، كما يمكن أيضا أن تستخدم للإيذاء. انبثقت فكرة المعهد من سؤال واحد: كيف نحمي القيم الإنسانية في قطاع تتحكم فيه مصالح سياسية واقتصادية تتجاوز حقوق الإنسان؟.
نعمل على الوصول العادل للتكنولوجيا، وعلى ربط المعرفة بالمسؤولية الأخلاقية، ونستخدم بيانات الأقمار الصناعية لمتابعة ما يحدث في غزة؛ من تغير شكل الأرض، إلى الدمار، بالإضافة إلى الآثار البيئية والاجتماعية للقصف. نحن نؤمن بأن التكنولوجيا يمكن أن تكون شاهدا، لا سلاحا. لذلك نعمل أيضا في معهد فلسطين للفضاء، من خلال قاعدة بيانات 'الفضاء والمجمّع الصناعي العسكري'، على كشف الدور الذي تؤديه بعض شركات الفضاء والدفاع في تمويل الإبادة الجماعية في غزة أو في تزويدها بالأدوات التي تنفذ بها. فهذه الشركات، التي تقدم غالبا باعتبارها رموزا للتقدم العلمي، تمتلك في الواقع مسارات من النفوذ والربح تجعلها جزءا من منظومة العنف التي نشاهدها اليوم.لم تكن الصور بيانات محايدة، بل كانت تعني لي الوجوه التي لم أراها، البيوت التي سمعت عنها في حكايات عائلتي، والمستقبل الذي حرم الكثير من الناس حق تخيله. كما كانت تعني غزة التي حملتها جدتي في ذاكرتها وأحملها أنا اليوم في قلبي.
في كثير من الأحيان شعرت أن الأمل يتراجع، وأن الأنظمة الدولية عاجزة عن حماية أبسط حقوق الإنسان. ومع هذا الألم، بقي داخلي إحساس بأن التغيير ممكن. ولهذا السبب شعرت أن اختياري من الأمم المتحدة كقيادية شابة لأهداف التنمية المستدامة كان إشارة إلى أن أصواتنا تسمع، وأن رواياتنا ليست خارج الاهتمام، وأن هناك رغبة حقيقية في إعادة التفكير في كيف يمكن للفضاء والأنظمة الدولية أن يخدموا البشرية حقا.
بالنسبة لي، هذا الاختيار ليس تكريما بقدر ما هو مسؤولية. مسؤولية لأحمل معي صوت الشباب في فلسطين والأردن، ولأطالب بعالمٍ يستخدم الفضاء من أجل الاستدامة وليس من أجل الإيذاء.نحن لسنا مجرد مراقبين لهذا العالم؛ نحن صانعوه. وفي كل مرة نختار فيها الحق، وفي كل مرة نربط فيها المعرفة بالمسؤولية، وفي كل مرة نرفض فيها التطبيع مع الظلم، نرسم جزءا جديدا من المستقبل الذي نرغب أن نعيش فيه.فربما لا يمكننا إزالة الحدود من الفضاء، لكن يمكننا إعادة تخيل العالم الذي رسمها".










