أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البدو في العراق.. رحلة الصبر والكرم عبر الصحراء

مدار الساعة,أخبار عربية ودولية,أخبار خفيفة ومنوعة
مدار الساعة (الشبكة العراقية) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - عامر جليل إبراهيم - بين الرمال الممتدة والسماء المفتوحة، ما زالت حياة البدو في العراق تمثل صفحة حيّة من تاريخٍ طويل يتقاطع فيه الصبر مع الحكمة، فهؤلاء الرحّل، الذين سكنوا الصحراء منذ قرون، لم يتركوا الصعاب تغيّر طبيعتهم، بل طوّعوا الأرض والمناخ ليكونا جزءًا من إيقاع حياتهم اليومية. الذي يمثل روح البادية الأصيلة.

رغم ما حمله العصر الحديث من تغيّرات اقتصادية واجتماعية، فإن البدو العراقيين ما زالوا يحتفظون بخصوصيتهم الثقافية، ويواصلون ترحالهم بين الفصول بحثًا عن الماء والكلأ، حاملين معهم إرثًا من القيم والعادات

جغرافية الامتداد

“الشبكة العراقية”، في رحلتها الميدانية الى عمق الصحراء، وتحديدًا في بادية السماوة، حيث تتجسد حياة البدو بكل تفاصيلها، اقتربت من بيوت الشَّعر، وتعرفت على ثقافة متجذّرة في التاريخ. ولإضاءة الصورة والتعريف أكثر بحياة البدو في العراق، التقت أولًا باستاذ التاريخ الدكتور حيدر زوير ليحدثنا قائلًا: “تنتشر تجمعات البدو في مناطق واسعة من العراق، ولاسيما في البادية الغربية، الممتدة من الأنبار حتى الحدود مع سوريا والأردن والسعودية، إضافة إلى أجزاء من الجنوب القريب من السماوة، والبصية في البصرة. هذه المناطق الصحراوية شبه الجافة تشكل المسرح الطبيعي لحياة البدو، تتنوع تضاريسها بين الكثبان الرملية والهضاب والوديان الجافة، كلها تفرض إيقاعًا خاصًا للحياة والتنقل.”، مؤكدًا أن ا”لبداوة ليست مجرد نمط سكن، بل منظومة اجتماعية متكاملة، قائمة على العشيرة والترحال والاعتماد على الرعي كمصدر رئيس للعيش، فكل قبيلة لها مناطق تقليدية للرعي، ومسارات موسمية معروفة، يتناقل تحديدها ومعرفتها من جيلٍ إلى آخر.”

الخيمة والترحال

يضيف زوير: “الخيمة هي القلب النابض في حياة البدوي، فهي تُصنع غالبًا من صوف الغنم، أو وبر الإبل المنسوج يدويًا، تمتاز بخفة وزنها وسهولة نصبها وفكّها، كما يمتاز تصميمها البسيط بعبقرية في التكيف مع المناخ، إذ إنها تتيح التهوية في الصيف، وتحتفظ بالدفء في الشتاء، في داخلها مساحة للجلوس وأخرى للنوم، ومكان مخصص لاستقبال الضيوف، يُعدّ عنوانًا للكرم البدوي المعروف، كما أن كل قطعة في البيت المتنقل لها وظيفة دقيقة، من الحبال والأوتاد إلى السجاد والوسائد، ما يجعل الخيمة نظامًا معيشياً متكاملًا أكثر مما هي مأوى مؤقت.”

اقتصاد البادية

يوكد زوير أن “الرعي يشكّل مصدر الرزق الأساس للبدو، ففي فصل الربيع، عندما تخضر الأرض وتزهر المراعي، يستقر البدو في مناطق الوفرة، ومع بداية الصيف يتحركون نحو المرتفعات أو الآبار الدائمة هربًا من العطش وحرارة الشمس، أما في الشتاء، فيقتربون من القرى أو الوديان المحمية من الرياح، حيث تتوفر مصادر الحطب والمياه، وهذا النظام الموسمي الدقيق ليس عشوائيًا، بل نتيجة معرفة تراكمية بالطبيعة والمناخ وقراءة فطرية لعلامات الأرض والسماء.”

ذكاء الصحراء

وعن تعامل البدوي مع تقلبات المناخ الصعب يقول زوير: “يتعامل البدو مع عوامل المناخ بخبرةٍ متوارثة فريدة، ففي الصيف ينقلون قطيعهم إلى مناطق الظل أو المرتفعات، ويعتمدون على السقي المنتظم من الآبار أو الحفر القديمة، كما يعمدون الى تغيير جدول أنشطتهم اليومية لتجنب الظهيرة، فنراهم يعملون عند الفجر والغروب، أما في الشتاء، فيعدلون شكل الخيمة لتقاوم الرياح، ويستعينون بالنار والحطب للتدفئة، مع تخزين المؤن واللبن المجفف استعدادًا للعواصف الباردة.” مبيّنًا أن “هذه القدرة على التأقلم جعلت البدو يعيشون في بيئة يُعد البقاء فيها تحديًا يوميًا، لكنهم حوّلوها إلى موطنٍ حقيقي بفضل الحكمة والخبرة.”

حياة منظمة

بدوره، يحدثنا الدكتور في الجامعة المستنصرية، البروفيسور حيدر شاكر، عن الحياة اليومية للبدو وطرق تأقلهم مع الصحراء قائلًا: “الحياة اليومية عند البدو تتوزع بين العمل والرعاية والضيافة، فرجالهم يتولون الرعي والصيد وحماية القطيع، فيما تدير النساء شؤون البيت، ويقمن بحياكة الأقمشة وصنع الأطعمة وتربية الصغار، فيما يولي الأباء اهتماما كبيرًا بتعليم أطفالهم منذ الصغر المسؤولية والاعتماد على النفس.” وتابع: “وهنا لا يفوتنا التأكيد أن الضيافة لدى البدو تشكل حجر الزاوية في الأخلاق، إذ لا يُسأل الضيف عن هويته قبل إكرامه، وتقدم له القهوة أولًا، فالتمر أو اللبن، ثم الطعام، هذا السلوك الاجتماعي المتأصل جعل من البدو رمزًا للكرم العراقي في الذاكرة الشعبية.”

بوصلة النجوم

يضيف شاكر: “يقرأ البدو الصحراء كما يقرأ البحّار الموج، فهم يعرفون الاتجاهات من خلال مواقع النجوم، ويستدلّون على وجود المياه من لون التربة أو نمو نباتاتٍ معينة، حتى الرياح لهم فيها لغتهم الخاصة، يميزون بين شدّتها واتجاهها ملامح الفصول المقبلة، وتعد هذه المعرفة الدقيقة، التي توارثوها جيلًا بعد جيل، إرثًا ثقافيًا وبيئيًا ثمينًا يستحق الحفظ والدراسة.”

يستمر شاكر بحديثه قائلًا: “مع مرور الزمن، تغيّرت ظروف الحياة، فقد دفعت التحولات الاقتصادية والحدود الإدارية والتغير المناخي بعض الأسر البدوية إلى شبه الاستقرار قرب المدن أو القرى، لكن مع ذلك، لا تزال مظاهر البداوة حاضرة في الأسواق الريفية، وفي الخيام التي تُنصب كل ربيع، وفي المهرجانات التراثية التي تحتفي بالإبل والخيول والشعر الشعبي.”

جاذبية سياحية

عن سؤالنا حول إمكانية استثمار صحارى وبراري العراق سياحيًا وما تقدمه من تجربة فريدة في التعرف على نمط عيش البدو، أجاب شاكر: “بالتأكيد تقدم حياة البدو وبيئتهم الجميلة في العراق فرصة سياحية غنية، فالزائر يستطيع أن يعيش تجربة جميلة ورائعة عبر رحلات السفاري الصحراوية، وتذوّق الطعام البدوي، ومشاهدة سباقات الهجن والخيول، والاستماع إلى الشعر النبطي والموسيقى الصحراوية، كل هذه الأنشطة يمكن أن تشكّل جزءًا من سياحة بيئية وثقافية تحافظ على التراث وتنعش الاقتصاد المحلي في مناطق البادية.”

صحراء لا تموت

يعود الدكتور حيدر زوير ليختم حديثه بالقول: “في العراق، لا تعني الصحراء الجفاف والفراغ فقط، بل تعني الحياة بصبرٍ ومعرفةٍ وكرامة، فالبدو الذين يسكنونها ليسوا بقايا ماضٍ بعيد، بل شهود على قدرة الإنسان على التكيّف مع الطبيعة، وعلى الاستمرار في العطاء رغم قسوة الظروف.” مضيفًا: “الحفاظ على تراث البدو ودعمهم ببرامج تنمية وسياحة مستدامة لا يُعد عملاً ثقافيًا فحسب، بل واجب وطني لحماية أحد أقدم أنماط العيش في تاريخ بلاد الرافدين.”


مدار الساعة (الشبكة العراقية) ـ