لا ينبثق أسبوع الوئام بين الأديان من حاجة إجرائية لتنظيم العلاقة بين المختلفين فحسب، بل من سؤال فلسفي أعمق يتعلّق بإمكان العيش المشترك في عالم يقوم، في بنيته الرمزية، على الاختلاف. فإعلان جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لهذه المبادرة في عام 2010, لا يمكن فهمه خارج أفق التفكير في الإنسان بوصفه ككائن حواري، لا يكتمل وجوده إلا بالآخر، ولا يتحدد معناه إلا عبر الاعتراف المتبادل.
إنّ الوئام، من منظور فلسفي، هو إعادة تأويل للاختلاف بوصفه شرطاً للمعنى لا تهديد له. فالذات لا تتكوّن في الفراغ، بل في مواجهة الآخر، وفي هذا اللقاء تتأسس الأخلاق باعتبارها فضاء للتشارك لا للهيمنة. ومن هنا، يغدو الوئام فعلاً أخلاقياً واعياً، يتجاوز منطق التسامح السلبي إلى منطق الاعتراف، حيث ينظر إلى الآخر بوصفه غاية في ذاته لا وسيلة.ولا يمكن مقاربة هذا المعنى دون التوقف عند التجربة الأردنية بوصفها سياقا تاريخيا ووجوديا إذ تجسد فيه الوئام ممارسة قبل أن يكون مفهوم نظرياً.فالأردن لم يقم على وهم التجانس، بل على التعدد والاختلاف، ما جعله فضاء حي لاختبار إمكان العيش المشترك. ومن هنا، لا تظهر مبادرة أسبوع الوئام كخطاب مثالي منفصل عن الواقع، بل كامتداد طبيعي لرؤية ترى في التنوع مصدر للاستقرار ، لا تهديد له.ويكتسب الوئام في السياق الأردني بعد تاريخي اخلاقي يتجاوز كونه سياسة عامة أو خيار ثقافي، ليغدو شكل من أشكال الحكمة العملية التي تنظّم العلاقة بين التعدد والاستقرار. فحين تدار الدولة على وعي بحدود القوة وبخطورة الإقصاء، يصبح الحوار شرط للوجود المشترك لا مجرّد أداة تفاوض. وفي هذا الأفق، لا يفهم الوئام بوصفه تسوية مؤقتة، بل كبنية أخلاقية تنتج بعد اجتماعي دون إلغاء الخصوصيات. فهذا الأفق القيمي يجد نفسه، في زمن الرقمنة، أمام مفارقة وجودية جديدة. فقد أعادت الرقمنة تشكيل شروط الحضور الإنساني، ففصلت بين القرب الفيزيائي والمسافة الأخلاقية، وجعلت التواصل كثيفا من حيث الكم، هش من حيث المعنى. وفي هذا السياق، يتحوّل الخطاب إلى سلطة، وتصبح الكلمة فعل ويغدو الصمت نفسه موقف أخلاقي.في الفضاء الرقمي، لم يعد الوئام مسألة نوايا، بل مسألة بنية خطابيّة تحكمها الخوارزميات ومنطق الانتشار. وهنا يبرز السؤال الفلسفي الجوهري:هل يمكن لقيمة إنسانية نشأت في أفق اللقاء الوجهي أن تحافظ على معناها في فضاء يغيب فيه الوجه؟إنّ هذا السؤال لا يشكّك في إمكان الوئام، بقدر ما يكشف هشاشته، ويضعه في موضع الاختبار.يعد مستخدمين المنصات الرقمية ذات فاعلة تتحمل مسؤولية مزدوجة: مسؤولية القول، ومسؤولية الأثر. فكل محتوى ينتج في الفضاء الافتراضي لا يبقى محايد بل يسهم في بناء عالم رمزي إما يعترف بالاختلاف أو يقصيه. ومن هنا، يصبح الوئام ممارسة وجودية تتجلى في اختيار اللغة، وضبط الانفعال، ومقاومة الاختزال الذي يحوّل الإنسان إلى هوية مغلقة أو تصنيف جاهز.أما التربية على الوئام، فلا تقوم على تلقين قيم جاهزة، بل على تمرين العقل على التفكير، وتكوين ذات نقدية قادرة على مساءلة مسلماتها، وإدراك أن الحقيقة لا تمتلك كاملة، بل تبنى داخل أفق الحوار. وهكذا، تتحوّل المواطنة الرقمية إلى شكل جديد من أشكال الأخلاق العملية، يتجاوز القواعد التقنية إلى الوعي بالمسؤولية الإنسانية.إنّ الرقمنة، في جوهرها، لا تنفي الوئام، بل مرآة تكشف مدى رسوخ القيم الإنسانية في الوعي. فإذا كان الوئام قادراً على الصمود في فضاء السرعة والتشظي، فإنه يؤكد طابعه الكوني؛ أمّا إذا انهار أمام منطق الاستقطاب، فإن الأزمة لا تكون أزمة تقنية، بل أزمة معنى.وعليه، يمكن النظر إلى أسبوع الوئام بين الأديان بوصفه لحظة فلسفية تتجدّد فيها مساءلة الإنسان لذاته ولعلاقته بالآخر. وفي زمن الرقمنة، لا يعود الوئام قيمة تكميلية أو شعاراً أخلاقياً، بل شرط وجودي لاستمرار المعنى الإنساني ذاته. فمن هنا، لدينا خياران اما أن يكون الاختلاف أفقاً للحوار، أو يتحوّل إلى مبرر للفناء الرمزي المتبادل. وبين هذين الحدّين، يتحدد مستقبل الإنسان المعاصر.أسبوع الوئام بين الأديان في زمن الرقمنة: سؤال المعنى وحدود الاختلاف
مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ