في الدُّوَلِ ذاتِ الدِّيمُقراطيّاتِ المُتقدِّمَة، يُؤدّي الوزيرُ دورًا سياسيًّا في المقامِ الأوَّل؛ إذ تأتي الحكوماتُ في الغالب من لونٍ سياسيٍّ واحد، وتعمل وفق برنامجٍ حزبيٍّ واضح المعالم، بينما تُناط المهمّاتُ التنفيذيّة التفصيليّة بالوكلاء والأمناء العامّين والإدارات التنفيذيّة. أمّا في دولِ العالمِ النامي، ومنها دولٌ تسير في طريق بناء النموذج الديموقراطيّ الأَكثَر اكتمالًا، فإنّ الوزراء غالبًا ما يأتون من مدارسَ فكريّةٍ وسياسيّةٍ متباينة، ويُطالَبون بدورٍ تنفيذيٍّ مباشر، إلى جانب دورهم السياسيّ، في سياقٍ انتقاليٍّ مفهومٍ ومقبول.
من هذا المنطلق، ومن باب التقييم الموضوعيّ لا الشخصيّ، أُحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أضع أداء عددٍ من الوزراء في ميزان المتابعة والرقابة، باعتبار أنّ الكتابة ليست ترفًا فكريًّا، بل وظيفة وطنيّة توازي في أهميّتها القرار التنفيذيّ نفسه. وفي نظرةٍ إلى عمر حكومة دولة الدكتور جعفر حسّان، يمكن رصد تميّزٍ واضحٍ لدى بعض الوزراء، دون أن يعني ذلك انتقاصًا من جهود الآخرين.في هذا المقال، أتناول ثلاث حقائب محوريّة تمسّ جوهر بناء الإنسان: الثقافة، والشباب والرياضة، والتربية والتعليم.أوّلًا: وزارة الثقافة… حين يقترب الوزير من المبدعأدرك معالي الأستاذ مصطفى الرواشدة، وزير الثقافة، أنّ الأدباء والمثقّفين والفنّانين والمسرحيّين في الأردن، كما في العالم العربيّ عمومًا، يعيشون حالةً مركّبة من التهميش، والقلق الوجوديّ، والضغوط الاقتصاديّة، وضعف الرعاية المؤسّسيّة. وهي معاناةٌ قديمة، زادتها تعقيدًا مؤسّسات ثقافيّة تقليديّة، واتحادات لم تقم بدورها على الوجه المطلوب، ومنصّات نشرٍ احتكرت الأسماء وأغلقت الأبواب أمام الطاقات الشابّة.اللافت في تجربة الرواشدة أنّه كسر الصورة النمطيّة لوزير الثقافة؛ فلم يبقَ حبيس المكتب أو المناسبات البروتوكوليّة، بل انتقل من مسرحٍ إلى منصّة، ومن مكتبةٍ إلى بيت أديب، ومن فعاليّةٍ إلى لقاءٍ مباشر، يستمع أكثر ممّا يتكلّم، ويقترب دون ادّعاء. فشكّل بذلك ظاهرةً إيجابيّة في التواصل، وحالةً نادرة من التواضع المعرفيّ، جعلت المثقّف يشعر بأنّ الوزارة ليست سلطةً عليه، بل شريكًا له.إنّ تكريم المبدعين، وإن كان مهمًّا، لا يكفي وحده، فالتكريم الموسميّ لا يُغني عن سياسة ثقافيّة مستدامة، ولا يُعالج غياب المبدع العربيّ عن منصّات التأثير العالميّ. فغياب أسماء عربيّة كبرى عن المشهد الدوليّ اليوم ليس نقصًا في الإبداع، بل نتيجة غياب الاحتضان، وغياب الاستراتيجيّة، وارتباك المشهد الثقافيّ بين الإبداع الحقيقيّ وادّعاء الثقافة.من هنا، يُعوَّل على وزارة الثقافة، بقيادة الرواشدة، في معالجة هذا الخلل تدريجيًّا، وبناء سياسة ثقافيّة تُميّز بين الحرّيّة الثقافيّة والإبداع الثقافيّ، وتعيد الاعتبار للنقد، وللمعايير، وللعدالة الثقافيّة، بحيث يجد المبدع وطنه الأدبيّ داخل وطنه الحقيقيّ.ثانيًا: الشباب والرياضة… الاستثمار في الإنسان والمجتمع
أمّا معالي الدكتور رائد العدوان، وزير الشباب والرياضة، فيقدّم نموذجًا للوزير القريب من الميدان، المنفتح على الجميع، والمدرك لتعقيدات ملفّ الرياضة في عصر الاحتراف. فهو يعلم حجم الأعباء الماليّة الملقاة على عاتق الأندية، وتأثير الاحتراف على موازناتها، كما يدرك أهميّة دعم المنتخبات الوطنيّة في مختلف الألعاب، فرديًّا وجماعيًّا.الرياضة، في جوهرها، ليست نشاطًا ترفيهيًّا، بل أداة بناء اجتماعيّ واقتصاديّ وتربويّ. فالمجتمعات التي تهتم بالرياضة تقلّ فيها معدّلات الجريمة، وتزداد فيها روح الانتماء، ويتعزّز فيها التماسك الاجتماعيّ. كما أنّ تشبيك القطاع الخاصّ مع القطاع العامّ في دعم الأندية والبرامج الشبابيّة لم يعد خيارًا، بل ضرورة.وإلى جانب البعد الرياضيّ، فإنّ البطولات القاريّة والدوليّة تُعدّ منصّةً لتعريف الشعوب بثقافة الدول المستضيفة، وتُحقّق عوائد اقتصاديّة ومعنويّة مهمّة، فضلًا عن دور الرياضة في رفع مستوى التحصيل الدراسيّ، وتحسين القدرات الذهنيّة والنفسيّة للطلبة.وهو مسار يبدو أنّ الوزير العدوان يسير فيه بوعيٍ ومسؤوليّة، واضعًا الشباب في قلب المعادلة، لا على هامشها.ثالثًا: التربية والتعليم… الجراحة العميقة لا المسكّنات
وقد تناولتُ سابقًا، في مقالٍ خاصّ، تجربة معالي الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، بوصفها نقطة تحوّل حقيقيّة في فهم التعليم كنظامٍ متكامل، لا كمجموعة إجراءات متفرّقة.فالدكتور محافظة لم يقترب من هذا الملفّ بعقليّة إداريّة تقليديّة، بل بعقلٍ تحليليٍّ عميق، جمع بين: • خبرة الطبيب في التشخيص • ورؤية التربويّ في الفهم • ووعي الأكاديميّ بأهميّة البحث العلميّ • وتجربة رئيس الجامعة في إدارة المؤسّساتكأنّنا أمام طبيبٍ تربويّ يُجري عمليّةً جراحيّة دقيقة للنظام التعليميّ، يُشخّص الخلل، ويعالج الجذور، لا الأعراض، ويبحث عن الشفاء المستدام، لا الحلول المؤقّتة.خاتمة: التقييم مسؤولية لا خصومة
إنّ هذه القراءة لا تُقدَّم بوصفها أحكامًا نهائيّة، ولا مجاملاتٍ مجانيّة، بل محاولة صادقة لممارسة دور الكاتب في المتابعة والرقابة والتقويم. فبعض المواقع لن تكون في منأى عن النقد البنّاء، لأنّ الإصلاح لا يكتمل دون مساءلة، ولا يتقدّم دون شجاعة.وللحديث بقيّة…
فالتقييم سيستمرّ، ما دامت الدولة في طور البناء، وما دام الأمل قائمًا بأنّ الكفاءة، لا المجاملة، هي الطريق إلى المستقبل.والله من وراء القصد.