لم تكن المأساة الليبية وليدة سقوط نظام فقط، بل نتيجة مسار طويل من السياسات المرتبكة، حيث تقدّم الشعار على المؤسسة، وتقدّم الفرد على الدولة، وغابت الهوية السياسية الواضحة لصالح خطابات متناقضة.
اتسمت إدارة الدولة بطابع اندفاعي، فبدت علاقات ليبيا بمحيطها العربي مضطربة وغير مستقرة. ولم تتعامل الدول العربية معها بوصفها شريكًا استراتيجيًا بقدر ما تعاملت معها بمنطق الاحتواء، خشية تهور القرار أكثر من ثقة في مشروع الدولة. كما لم تكن ليبيا دولة اشتراكية بالمفهوم المؤسسي، ولا إسلامية بمنطق الدولة، ولا قومية وفق مشروع وحدوي ناضج، بل كيانًا بلا هوية سياسية متماسكة.
وحين غابت الحكمة عن السلطة، لم تحضرها المعارضة بديلًا وطنيًا جامعًا، بل انجرف جزء منها نحو الاستقواء بالأجنبي، فتحوّل الصراع الداخلي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، ودخل الليبيون حربًا لم يختاروها.وفي ظل هذا الانقسام، غاب الدور العربي والإقليمي القادر على حماية الدولة الليبية من التفكك، وبقيت جامعة الدول العربية عاجزة عن تقديم مبادرة بحجم الكارثة، فتركت ليبيا بين أطماع الخارج وتنازع الداخل.
لقد أثبتت التجربة أن المال لا يصنع دولة، وأن النفط لا يبني وطنًا، وأن الدولة التي لا تقوم على الأخلاق والقيم واحترام الإنسان وكرامته تبقى كيانًا هشًا مهما امتلكت من ثروة وسلاح.
المأساة الليبية ليست مأساة نظام فقط ولا مأساة معارضة فقط، بل مأساة شعب كامل، ومأساة وطن، ودرس عربي قاسٍ في معنى الدولة حين تغيب عنها الحكمة، ويُختزل الوطن في السلطة.