أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحسبان يكتب: إبستين.. حين سكتت المؤسسات التي طالبتنا بالحديث دائمًا


فهد الحسبان

الحسبان يكتب: إبستين.. حين سكتت المؤسسات التي طالبتنا بالحديث دائمًا

مدار الساعة ـ

لم تكن وثائق جيفري إبستين مجرد ملف جنائي أو فضيحة أخلاقية عابرة، بل لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح سؤال جوهري حول منظومة القيم التي تقود الخطاب الحقوقي العالمي. نحن لا نتحدث عن جريمة في الهامش، بل عن شبكة تحركت لسنوات في قلب النظام السياسي والمالي والإعلامي الغربي، وتحت أعين مؤسسات يفترض أنها تحمل راية حماية المرأة والطفل ورفع الوعي الحقوقي في العالم.

ما تكشفه هذه الوثائق ليس فقط حجم الانتهاك، بل حجم الصمت. صمت المؤسسات، صمت النخب، صمت من اعتادوا مخاطبة العالم من موقع أخلاقي مرتفع. هنا يصبح الصمت موقفًا سياسيًا لا حيادًا، ويصبح التغاضي شكلًا من أشكال التواطؤ غير المعلن، حتى وإن غُلّف بلغة القانون أو الإجراءات.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بلا مواربة: أين المؤسسات الأمريكية والأوروبية التي بنت حضورها العالمي على خطاب حماية المرأة والطفل؟ أين تلك التي لم تتردد يومًا في إصدار التقارير، وتصنيف الدول، وربط الدعم والمعايير بالالتزام الحقوقي؟ هل ستبقى هذه المؤسسات صامتة حين يكون الامتحان داخل منظومتها، وحين يكون المتورطون قريبين من دوائر القرار والنفوذ؟

لسنوات طويلة، جرى تصدير نموذج حقوقي بوصفه مرجعية أخلاقية شبه مطلقة، فيما خضعت دول وشعوب لمساءلات قاسية باسم حماية الفئات الأكثر هشاشة. لكن قضية إبستين كشفت أن المعايير ليست واحدة، وأن الخطاب الحقوقي يفقد حدّته كلما اقترب من المركز. وهنا لا يعود السؤال قانونيًا فقط، بل سياسيًا وأخلاقيًا: هل العدالة قابلة للتجزئة؟ وهل قيمة الضحية تتغير بتغير الجغرافيا وموقع الجاني؟

نعم، أنا كنت أحد العاملين في هذا المجال، وأحد المؤمنين بعمق برسائل هذه المؤسسات. عملت معها، وتعلّمت من خطابها، وبنيت جزءًا من مسيرتي المهنية على الإيمان بأن هذا العمل يحمل قيمة إنسانية حقيقية. واليوم أقف على الحد الفاصل بين الندم أو الوعي، بين شروط التمويل وأعداد المستفيدين، بين صدق الرسالة وخوفنا عليها من أن تتحول إلى إجراءات بلا روح، أو شعارات بلا مساءلة.

الأثر الذي نراه اليوم لا يقف عند حدود النقاشات الدولية، بل يطال المجتمعات التي نعمل فيها على الأرض. حين تهتز الصورة في المركز، تتصدع الثقة في الأطراف، وحين يغيب الموقف الواضح، تُترك المنظمات المحلية والعاملون الميدانيون في مواجهة شكوك عامة لا ذنب لهم فيها، ويُستنزف رصيد العمل الحقوقي الوطني لصالح أزمة لم يصنعها.

من هنا، يصبح الانتقال إلى مفهوم الدعم الوطني ضرورة لا ترفًا. إن دعم المؤسسات المحلية والمبادرات الوطنية يجب أن يقوم على إطار سيادي واضح، يضمن الشفافية والمساءلة والاستدامة، ويعيد الاعتبار للدور الوطني في حماية القضايا الحقوقية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية إنشاء صندوق المسؤولية الاجتماعية الوطني بوصفه قناة جامعة لتوجيه الدعم، بما في ذلك التمويل الخارجي، نحو أولويات وطنية واضحة، تخضع لشروطه ومعاييره، وتحت رقابة الجهات المختصة، بما يحمي العمل الأهلي من الارتهان، ويصون استقلاله، ويعزز ثقة المجتمع به.

لسنا أمام دعوة للقطيعة مع العالم، ولا رفض للتعاون الدولي، بل أمام دعوة لإعادة تنظيم العلاقة على أساس الاحترام المتبادل والشفافية. فالدعم الخارجي، حين يمر عبر أطر وطنية واضحة، يصبح عامل تمكين لا اختراق، وشراكة لا وصاية. وما بعد إبستين يفرض علينا جميعًا "دوليًا ووطنيًا" أن نعيد التفكير ليس فقط في من يمول، بل في كيف ولماذا، ولصالح من.

مدار الساعة ـ