أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأحبابي يكتب: عذرًا دوستويفسكي… نحن في عصر التفاهة!


د. مصلح عايض الأحبابي

الأحبابي يكتب: عذرًا دوستويفسكي… نحن في عصر التفاهة!

مدار الساعة ـ

سيأتي زمن يُمنع فيه الأذكياء من التفكير، حتى لا يسيئوا إلى الحمقى والأغبياء.

إذا كنتَ حقًا من قال هذه العبارة يا فيودور، فيسعدني أن أقول لك: لقد صدقت!

وإن لم تكن من أقوالك، فحسبك أنها وصف دقيق وتعبير صادق عن واقعنا اليوم.

بحثتُ مطولًا في كتبك، وفي المراجع الأدبية، وفي كل وسيلة متاحة، ولم أجد ما يثبت صحة نسبتها إليك، رغم أنها تتردد كثيرًا على ألسنة الناس وفي وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن روح هذه العبارة لا تبدو غريبة عنك.

فأنت نفسك حذّرت بوضوح من التفكير المستعار، وقلت في مذكرات من تحت الأرض (1864):

«أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يعتاد أفكارًا لم يفكّر فيها بنفسه.»

وهي عبارة تكاد تختصر المأزق الفكري الذي نعيشه اليوم، حيث يُكافأ الترديد ويُعاقَب الاجتهاد.

عذرًا، ما كنت أعلم أنك توفيت في عام 1881!

كنت أعتقد أنك تكتب اليوم على “تويتر”، أو تعلّق على منشورات “فيسبوك”، أو حتى ترد على مقاطع “تيك توك”…

لكن صدقًا، يبدو أنك لم تكن تتنبأ بالمستقبل، بل كنت تصف حاضرنا بدقة مذهلة. لقد دخلنا رسميًا عصر تكميم العقول، حيث أصبح التفكير جريمة، والاختلاف في الرأي يُعدّ اعتداءً، والمنطق مادة خطرة يجب مصادرتها فورًا.

وقد كشفتَ المفارقة الكبرى: المجتمعات لا تبدأ بالانهيار حين يُمنع الكلام، بل حين يُسمح بالكلام بشرط ألا يقول أحد ما يُقلق أو يُزعج. فالخطر ليس في الصمت وحده، بل في إجماعٍ مريحٍ يقتل الحقيقة باسم الانسجام.

في هذا الزمن، على الذكي أن يستأذن قبل أن يفكر، وأن يعتذر فورًا إن فُهِم كلامه على نحو قد يسيء إلى أحدهم، حتى لو لم يقصد. صرنا نعيش في عالم يُراعي مشاعر الأغبياء أكثر من احترامه للعقل؛ عالم يبدو فيه المنطق تهديدًا، والتفكير عبئًا، والعمق نوعًا من العدوان.

ولعل ما شهدته الجامعات الأمريكية العريقة مؤخرًا يقدّم مثالًا صارخًا. فقد خضعت رئيسة جامعة هارفرد، كلودين غاي، ورئيسة جامعة بنسلفانيا، ليز ماغيل، لضغوط سياسية وإعلامية وتحقيقات علنية على خلفية احتجاجات طلابية ضد المجازر الإسرائيلية في غزة. لم تكن التهمة تحريضًا على العنف، بل السماح بالتعبير داخل الحرم الجامعي.

انتهت الضغوط إلى الاستقالة، في مشهد يكشف كيف يمكن للضغط السياسي والمالي أن يُسقط قيادات أكاديمية في أعرق جامعات العالم، لا بسبب فساد أو إخفاق إداري، بل بسبب موقف ملتبس من حرية التعبير. وهكذا، عوقبت إدارة لم تُسارع إلى قمع طلابها، وكان الدرس واضحًا: حتى الجامعة، آخر معاقل العقل، لم تعد محصّنة.

والمفارقة أن كل ذلك حدث في الولايات المتحدة؛ البلد الذي طالما قدّم نفسه بوصفه حارس حرية التعبير. هنا تصبح الحرية مشروطة، والديمقراطية انتقائية، والتعبير حقًا يُمنح ويُسحب وفق ميزان القوة لا ميزان القيم.

كأننا في مسابقة كبرى لأكثر فكرة سطحية تحصد آلاف الإعجابات! أما المحتوى العميق فمؤامرة، والفكرة المركّبة استعلاء، والعقل النقدي خطر يهدد سلامة الجماهير.

ليس غريبًا إذًا أن يكتب آلان دونو في عصر التفاهة:

«لقد تبوأت التفاهة منصب السلطة. لم يعد المطلوب أن تكون ذكيًا أو مثقفًا أو مبدعًا، بل أن تكون قابلًا للتسويق، سهل الهضم، بلا موقف، بلا عمق، بلا شخصية».

وفي الإخوة كارامازوف (1880)، على لسان «المفتش الكبير»، يذكّرنا دوستويفسكي بأن:

«لا شيء كان يومًا أشدّ على الإنسان والمجتمع من عبء الحرية.»

وهو ما يفسّر لماذا يفضّل الناس الوهم المريح على الحقيقة المؤلمة.

ربما سيُطلب منا قريبًا استخراج رخصة تفكير، لا تُمنح إلا بعد اجتياز دورة بعنوان: كيف تكون ذكيًا دون أن تجرح مشاعر الأغبياء؟ وربما تُلصق على كتب الفلسفة ملصقات تحذيرية: هذا الكتاب قد يؤذي مشاعرك.

المطلوب الآن أن تصمت… أو تتفوه بتفاهات تُرضي الجماهير. هكذا تحوّلت السطحية إلى عملة رائجة، والتفاهة إلى لغة رسمية، والتفكير إلى تهمة بحاجة إلى محامٍ.

وفي الختام،

لو عاد دوستويفسكي إلى الحياة، لما كتب الجريمة والعقاب، بل كتب: الفكرة والعقاب. ثم أغلق قلمه، واعتذر عن استخدامه للعقل… حفاظًا على مشاعر عالم شديد الحساسية.

مدار الساعة ـ