أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العتوم يكتب: موسكو وكييف وحوار الصفر


د. حسام العتوم

العتوم يكتب: موسكو وكييف وحوار الصفر

مدار الساعة ـ

كل من يتابع الحرب الأوكرانية شيوعا ولا يستطيع حتى فهم من بدأ الحرب ، روسيا أم أوكرانيا ؟ وغير قادر على السبر في أغوارها ، يريد لها أن تنتهي ، وحديثي هنا ينسحب على الداخل الروسي و الأوكراني ، وعلى كل من يراقب أحداث و مجريات الحرب من الخارج ،من كافة أقصاع العالم . ولاتوجد حرب من دون مؤامرة ، و كل حرب الأصل أن تنتهي إلى سلام . ومثلي هنا الحروب الكبيرة العالمية ، الأولى و الثانية ، وقبلهما فيتنام ، و بعدهما أفغانستان ، وهكذا دواليك . و الان و كما أتابع ، فإن المفاوضات الروسية – الأوكرانية بعد محطة الإمارات وصلت إلى درجة الصفر بدلا من أن تفضي إلى نجاح و سلام دائم . وما ساعد على ذلك هو الإنسحاب المؤقت للولايات المتحدة الأمريكية من المفاوضات و الحوارات بشأن الحرب و الأزمة الروسية الأوكرانية للتفرغ للإنصات لإسرائيل ، و خدمة أهدافها قريبة المدى ، و المتعلقة بالتحرش بإيران بسبب قراءات استخبارية مشتركة لديهما لم توصلهما لنتيجة تريح أعصابهما بخصوص قضية التخصيب النووي الإيراني ، و الشروع لبناء قنبلة نووية تهدد أمن إسرائيل النووية ، وليس بالضرورة أمن أمريكا البعيدة عن إيران .

وفي المقابل ،فإن لشرق و جنوب العالم موقف مغاير ، و يختلف عن موقف إسرائيل و أمريكا من إيران . وكما نعرف ، فإن روسيا – ميدفيديف أعلنت بوجود دول راغبة بتزويد إيران بقنبلة نووية جاهزة لكي لا تبقى إسرائيل و أمريكا تدوران حول نفسهما في موضوع التخصيب النووي الإيراني . وما يرعب إسرائيل قبل أمريكا بالتزامن مع مشروع إيران السلمي ، و اصرار كلتاهما ، إسرائيل و أمريكا على أنه عسكري الطابع ، بينما هو راديكالية إيران التي تختلف عن السياسة الداخلية و الخارجية لدول الجوار النووية مثل باكستان و الهند مثلا . وكل ما ترويه إسرائيل تصدقه أمريكا ، و بينهما تعاون لوجستي بمعنى استخباري عميق دائم .

نعم ، روسيا – بوتين لم تبدأ الحرب الأوكرانية ، و إنما راقبت المشهد الأوكراني بدقة لوجستية وسط الثورات البرتقالية سابقا ، و انقلاب ( كييف ) لعام 2014 ،و تنبأت بأن أوكرانيا راغبة بإدارة الظهر لها و التجذيف تجاه الغرب ، و تحديدا تجاه حلف ( الناتو ) العسكري المعادي لها ،و التحالف مع الاتحاد الأوروبي الذي نصب العداء لروسيا مبكرا . و تمسكت روسيا بدستورها ، و بإتفاقية تفكيك الاتحاد السوفيتي لعام 1991 التي طالبت الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي بما في ذلك أوكرانيا بالحياد و الابتعاد عن الناتو . و ارتكزت على مادة ميثاق الأمم المتحدة رقم 751 التي تخول الدول المعتدى على سيادتها الدفاع عن نفسها ، وهي المادة القانونية للأمم المتحدة التي تفسرها روسيا لصالحها ، و كذلك أوكرانيا .

و أول خطوة لروسيا جاءت بضم القرم ، و الذي هو روسي الأصل ، و يتمتع بموقع استراتيجي عسكري هام بحكم وجود اسطولها النووي في مياهه الدافئة ، و هو ليس الأسطول الوحيد لها بطبيعة الحال ، فالبحرية الروسية النووية عملاقة ، و منتشرة لحماية حدودها و سيادتها . و الخطوات الأوكرانية العدائية بعد ذلك جاءت متتابعة بالتعاون اللوجستي مع الاتحاد الأوروبي و أمريكا ، بعد تفسيرهم لاستقلال أوكرانيا بأنه منحة مجردة من الأمم المتحدة، غير مربوطة بإتفاقية انهيار الاتحاد السوفيتي لعام 1991 ، فتم التأسيس لمراكز بيولوجية ضارة بالمجتمع السلافي ومنه الروسي ، ولأكثر من قنبلة نووية ، و الشروع بالتطاول على جسر القرم ، و على القرى و المدن الحدودية وفي مقدمتها منطقة ( كورسك ) التي حررتها روسيا بعد عام من مكوث الجيش الأوكراني فيها ، وكبدتهم خسائر بشرية عسكرية فادحة . و رغبت روسيا بالسلام المبكر عبر اتفاقية ( مينسك ) – النورمندي التي اشتركت فيها عام 2015 بيلاروسيا ، و ألمانيا ، و فرنسا ، إلى جانب روسيا ، لكن الغرب و خاصة المانيا – ميركل خططوا بإتجاه معاكس بهدف كسب الوقت لتجميع السلاح الغربي في منطقة غرب أوكرانيا ، و لتشجيع نظام ( كييف ) البنديري المتطرف على تقديم الحرب على السلام ، و المضي إلى الأمام في مماحكة روسيا عبر حرب فاشلة سرابية . وطول مدة الحرب لا يعني ضعف روسيا ،و إنما حكمة المحارب الروسي في الزمن المطلوب . و روسيا منتصرة لا محالة في السلم و في الحرب ، لكن الاتحاد الأوروبي يبقى معيقا للسلام ، وغارقا في حرب فاشلة بالوكالة .

و الخطوة الثانية الروسية بعد القرم ، فتح صناديق الاقتراع التي ساعدته بتثبيت أقدامه الروسية بعدما عاش 60 عاما في كنف أوكرانيا ، بتوجيه من نيكيتا خرتشوف الأوكراني الأصل ، زعيم الاتحاد السوفيتي وقتها . و صوتت الاقاليم بعد ذلك و أقصد الدونباس لصالح الانضمام لروسيا . و حركت روسيا عمليتها الروسية الخاصة ، الدفاعية ، التحريرية بقرار رئاسي روسي تقدمه الرئيس الفولاذي فلاديمير بوتين ، و نجحت العملية في تحرير غالبية الدونباس ( لوغانسك و دونيتسك ) في الوقت الذي لم يتكمن فيه الجيش الأوكراني المسنود من الغرب من تحرير شبر واحد مما حررته روسيا . و سبب وصول المفاوضات الروسية الأوكرانية لدرجة الصفر ، هو تمسك روسيا بالأرض ، ومطالبة أوكرانيا ( كييف ) بالأرض ذاتها . وما حررته روسيا و دفعت مقابلة قافلة من الشهداء يستحيل أن تفرط به ، و ما خسرته ( كييف ) في الحرب ، و اعداد كبيرة من القتلى العكسر و الشهداء سيكون صعبا جدا استبداله مجددا بما خسرته من الأرض . واللبيب من الإشارة يفهم .

الجانب الروسي السياسي و العسكري متمسك بورقة السيادة الوطنية التي تشمل تحرير كامل الدونباس إلى جانب تحريره للقرم . و لقد صرح الرئيس بوتين مؤخرا بأن بلاده روسيا باتت مستقلة ، و ذات سيادة ، و بأن المطلوب من أوكرانيا ، و قصد غرب أوكرانيا ، مغادرة جنودها لمنطقة دونيتسك . و أصبح مطلوبا من العاصمة ( كييف ) ونظامها السياسي قبول سلام الأمر الواقع ، وهي التي بدأت الحرب بالتعاون مع الغرب . و مطلوب منها أيضا فصل أجنحتها عن الاتحاد الأوروبي الذي اتضح لها و على لسان رئيسه المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي بأنه خادع له . و تماما كما انفصلت أمريكا سياسيا عن الاتحاد الأوروبي ، و انفصل نظامها العسكري أيضا داخل حلف (الناتو) ، و خلافات بينهما داخله على المداخيل المالية تنذر بانقسام ( الناتو) إلى قسمين أمريكي و اتحاد أوروبي .

و أخر محطات الحرب الأوكرانية بكل الأحول ستكون السلام و التوجه للمشاركة في بناء عالم متعدد الأقطاب ، عادل، يلغي العمل باحادية القطب المتغولة على أركان العالم . والوصول لمحطة التنمية الشاملة ، وبناء أمم متحدة على أسس قانونية جديدة ، و مجلس أمن كذلك بطراز قانوني جديد . وحديث حالي للرئيس بوتين أضح فيه عودة الوفد الأمريكي المفاوض لموسكو. دعونا نراقب تطورات المشهد .

مدار الساعة ـ