أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الركيبات تكتب: وهم الوفرة المطرية.. الأبعاد الهيدرو-سياسية والتقنية لسيادة الأردن المائية في أفق 2026


الدكتورة رشا الركيبات
باحثة علوم وسياسات نظام الأرض

الركيبات تكتب: وهم الوفرة المطرية.. الأبعاد الهيدرو-سياسية والتقنية لسيادة الأردن المائية في أفق 2026

الدكتورة رشا الركيبات
الدكتورة رشا الركيبات
باحثة علوم وسياسات نظام الأرض
مدار الساعة ـ

تُعد قضية المياه في المملكة الأردنية الهاشمية التحدي الوجودي الأبرز والمحدد الهيكلي الأول لمسارات التنمية المستدامة والأمن الوطني الشامل. وفي ظل تصنيف المملكة كثاني أفقر دولة مائياً على مستوى العالم، حيث تراجعت حصة الفرد السنوية من الموارد المائية المتجددة إلى نحو 61 متر مكعب في عام 2025، وهو ما يمثل حوالي 12% فقط من خط الفقر المائي المطلق المعترف به دولياً البالغ 500 متر مكعب للفرد. إن هذا الوضع يفرض حالة من "الاستنفار الهيدرولوجي الدائم" ويستدعي تحولاً استراتيجياً من إدارة الأزمات التقليدية إلى الحوكمة الذكية القائمة على الأدلة والبيانات.

لقد شهد عام 2025 وبداية عام 2026 تطورات مفصلية في قطاع المياه الأردني، تمثلت في إطلاق خارطة طريق التحول الرقمي بقيمة 153.6 مليون دولار، والمضي قدماً في مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن هذه المشاريع الاستراتيجية تواجه تحديات هيكلية معقدة تتطلب فهماً عميقاً لبيئة العمل الهيدرو-سياسية، بدءاً من تأثيرات التغير المناخي والتبخر على مخزون السدود، مروراً بمعضلة الفاقد المائي، وصولاً إلى المتطلبات التمويلية والبيئية والاجتماعية للمشاريع الكبرى.

تحليل الأداء الهيدرولوجي للموسم المطري الحالي

حقق الموسم المطري 2025-2026 أرقاماً قياسية وصفت بأنها الأفضل منذ 15 عاماً، إذ أدى المنخفض الجوي في ديسمبر 2025 ويناير 2026 إلى رفع الأداء المطري العام للمملكة بنسب تراوحت بين 3% و16%

وبحلول أواخر يناير 2026، بلغت نسبة ما تحقق من المعدل الموسمي السنوي طويل الأمد حوالي 72%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مخزون السدود الاستراتيجي الذي وصل إلى (85) مليون متر مكعب بنسبة امتلاء إجمالية بلغت 30%.

وعلى الرغم من هذا التدفق المطري الغزير الذي أدى إلى امتلاء تسعة سدود رئيسية، بما في ذلك سد الملك طلال الذي قارب على سعته القصوى البالغة 75 مليون متر مكعب، إلا أن التحليل العلمي المعمق يشير إلى أن زيادة الهطول المطري لا تعني بالضرورة حل أزمة العجز المائي البنيوي. فالمملكة ما تزال تواجه عجزاً مائياً سنوياً يقدر بأكثر من 450 مليون متر مكعب، وهو عجز لا يمكن للمواسم المطرية المتذبذبة سده بشكل مستدام بسبب طبيعة المناخ شبه الجاف والنمو السكاني المتسارع الذي وصل إلى 12 مليون نسمة في عام 2025.

تحدي التبخر والفاقد البيوفيزيائي في السدود

تمثل ظاهرة التبخر أحد أكبر العوائق التقنية أمام الاستفادة القصوى من مياه السدود في الأردن. فوفقاً للحسابات الهيدرولوجية لعام 2023، فإن ما نسبته 93.1% من إجمالي حجم الأمطار السنوي البالغ 8508.4 مليون متر مكعب فُقد مباشرة نتيجة التبخر، مما ترك هامشاً ضيقاً جداً للشحن الجوفي والجريان السطحي. وتفقد السدود المفتوحة ما بين 10% إلى 15% من مخزونها سنوياً، وهي نسبة ترتفع بمقدار 1.2% مع كل زيادة في درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة.

يستدعي هذا الفقد الهائل حلولاً تقنية مبتكرة لتقليل مساحة السطح المعرضة للتبخر. وفي هذا السياق، تم تدشين أول محطة طاقة شمسية عائمة على سد الملك طلال في سبتمبر 2025 بالتعاون مع منظمة "الفاو". ويهدف هذا المشروع الريادي إلى تقليل التبخر من خلال تغطية أجزاء من سطح المياه بالألواح الشمسية، وفي الوقت ذاته توليد طاقة نظيفة لتشغيل مضخات الري، مما يمثل تطبيقاً عملياً لنهج الترابط بين المياه والطاقة Water-Energy Nexus .

الكفاءة التشغيلية والرسوبيات في السدود الرئيسية

تُظهر البيانات التشغيلية لخمسة سدود أساسية في وادي الأردن فجوة في كفاءة التخزين، حيث بلغت الكفاءة المجمعة لهذه السدود حوالي 40.1% فقط. وتُعزى هذه الفجوة إلى عوامل متعددة، منها الظروف الجيولوجية الصعبة وتراكم الرسوبيات التي تقلل من السعة التخزينية الفعلية بمرور الزمن.

التحول الهيكلي في وادي الأردن ومفارقة جيفونز

كشفت الأبحاث عن تحول جذري في القطاع الزراعي في وادي الأردن بين عامي 1990 و2023، حيث تم استبدال المحاصيل التقليدية منخفضة القيمة بمحاصيل ذات كثافة رأسمالية وتقنية عالية، مثل الزراعة المحمية التي زادت بنسبة 1300%. وعلى الرغم من تحسن كفاءة استخدام المياه في هذه النظم، إلا أن المنطقة وقعت في فخ "مفارقة جيفونز" (Jevons Paradox)، حيث أدت المكاسب التقنية في الكفاءة إلى تحفيز المزارعين على زيادة الرقعة المزروعة أو الانتقال لمحاصيل أكثر استهلاكاً للمياه، مما أدى إلى استقرار أو زيادة في الطلب الكلي على المياه بدلاً من توفيره.

لذلك، فإن نجاح السدود في مواجهة العجز المائي لا يعتمد فقط على كميات الأمطار، بل على إدارة الطلب وتطبيق حصص مائية صارمة، وربط كفاءة الري بإنتاجية القيمة المضافة، مثل التوسع في زراعة التمور (المجهول) التي تدر عوائد اقتصادية عالية لكل متر مكعب من المياه.

الفاقد المائي (NRW) - تحليل "فجوة الفقد الخفي" والتحول الرقمي

يمثل الفاقد المائي (Non-Revenue Water) استنزافاً كبيراً للموارد المائية والمالية في الأردن. وفي خطوة وصفت بأنها "إنجاز وطني"، أعلنت وزارة المياه والري عن خفض نسبة الفاقد بمقدار 4.4% خلال الربع الثالث من عام 2025 لتصل النسبة إلى 40.9% مقارنة بـ 45.3% في عام 2024. وقد ساهم هذا الانخفاض في توفير أكثر من 31.4 مليون متر مكعب من المياه منذ بداية العام الحالي، وهي كمية استراتيجية تعادل حصة آلاف العائلات.

وتعود هذه النتائج الإيجابية إلى جملة من الإجراءات التقنية والإدارية، أبرزها:

1. إدخال تقنيات حديثة والتحول الرقمي في إدارة المصادر المائية.

2. استبدال مليون عداد مياه معطل، منها نصف مليون في مناطق شركة "مياهنا" بعمان.

3. رفع كفاءة الفوترة وقراءة العدادات لتصل دقتها إلى 98%.

4. ضبط أكثر من 11519 اعتداء على الخطوط الرئيسية خلال عام 2025.

مفهوم "فجوة الفقد الخفي" ومفارقة التشغيل

تطرح الأبحاث المتقدمة مفهوماً جديداً وهو "فجوة الفقد الخفي" (Hidden Loss Gap)، الذي يقيس تهالك الشبكات المستور خلف فترات التزويد المتقطع. وتُظهر البيانات أن زيادة ساعات التزويد المائي في عمان إلى 38 ساعة أسبوعياً أدت إلى ارتفاع نسبة الفاقد المسجلة إلى 44.7%، فيما يُعرف بـ "مفارقة التشغيل"، إذ أن استمرار الضغط في الشبكات القديمة يكشف عن تسريبات لم تكن تظهر في فترات التوقف.

وتكشف مقارنة مؤشر اللتر/وصلة/يوم (L/C/D) عن تفاوت كبير بين الشركات؛ فبينما سجلت شركة مياه العقبة أداءً متميزاً، تظل شركة مياه اليرموك تواجه تحديات كبرى بفاقد يصل إلى 6,955 لتر/وصلة/يوم.

خارطة طريق التحول الرقمي والتحديات التمويلية

وضعت وزارة المياه والري خارطة طريق تكنولوجية طموحة للأعوام (2025-2030) باستثمارات إجمالية تبلغ 153.6 مليون دولار. تهدف هذه الخطة إلى توحيد بنية أنظمة "سكادا" (SCADA) للمراقبة والتحكم اللحظي، وتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات.

ومع ذلك، يواجه هذا المسار الرقمي تحدياً تمويلياً يتمثل في وجود فجوة تقدر بـ 60% من الإنفاق الرأسمالي المطلوب (حوالي 92.2 مليون دولار غير مؤمنة حالياً). إن سد هذه الفجوة يُعد ضرورة قصوى، إذ أن التكنولوجيا هي الكفيل الوحيد لخفض الفاقد الإداري الذي يمثل 70% من إجمالي الفاقد، والناتج بشكل أساسي عن الاعتداءات وعدم دقة العدادات.

العلاقة بين الفاقد المائي وكلفة الطاقة

تستهلك عمليات ضخ المياه في الأردن حوالي 15% من إجمالي الكهرباء المولدة في المملكة، نظراً للطبيعة الطبوغرافية الصعبة التي تتطلب رفع المياه من مناطق منخفضة (مثل وادي الأردن) إلى المرتفعات الجبلية. وبالتالي، فإن كل متر مكعب يتم فقده يمثل هدراً مزدوجاً للمياه وللطاقة. وتُشير التقديرات إلى أن تقليل الفاقد المائي هو السبيل الأكثر فعالية لخفض العبء المالي لقطاع الطاقة المائي، إذ أن الكلفة التشغيلية للإنتاج بلغت حوالي 1.93 دينار لكل متر مكعب في عام 2024.

الناقل الوطني كخيار استراتيجي للسيادة المائية

يُعد مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل مياه البحر الأحمر من العقبة إلى عمان والمحافظات الأخرى أضخم مشروع بنية تحتية مائية في تاريخ الأردن، والعمود الفقري لاستراتيجية "الاستقلال الهيدرولوجي". يهدف المشروع إلى توفير 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً، مما يغطي نحو 45% من احتياجات المياه البلدية بحلول عام 2040.

تم توقيع الاتفاقية المبدئية للمشروع في يناير 2025 مع ائتلاف "ميريديام-سويز" بنظام بناء-تشغيل-نقل (BOT) لمدة 30 عاماً. ويمثل هذا المشروع انتقالاً نحو نموذج المرافق الحديثة المعتمد على الشراكة مع القطاع الخاص لضمان الكفاءة التشغيلية العالية.

التحديات الهندسية والطبوغرافية

يواجه مشروع الناقل الوطني تحديات هندسية فريدة؛ فالمياه يجب أن تُنقل عبر خط أنابيب يمتد لنحو 450 كيلومتر وبقدرة رفع هائلة تصل إلى 1000 متر فوق سطح البحر. هذا يتطلب بناء محطات ضخ عملاقة وأنظمة أنابيب تتحمل ضغوطاً عالية جداً. ووفقاً للتصاميم النهائية لعام 2025، يتكون المشروع من مأخذ بحري ومحطة تحلية في العقبة، ونظام نقل يمر عبر محافظات العقبة ومعان والطفيلة والكرك وصولاً إلى عمان.

تحدي التمويل وتزايد التكاليف

ارتفعت التكلفة التقديرية للمشروع من 3.5 مليار في التقديرات الأولية إلى حوالي 6 مليار دولار في عام 2026 نتيجة توسع نطاق التصميم ليشمل بنية تحتية إضافية وأنظمة طاقة متجددة مدمجة. وقد نجحت الحكومة الأردنية في تأمين منح وقروض ميسرة بقيمة 2.2 مليار من شركاء دوليين، بما في ذلك منحة تاريخية من صندوق المناخ الأخضر GCF .

الارتباط العضوي بين المياه والطاقة والسيادة

يُصنف مشروع الناقل الوطني ضمن "رابطة السيادة" (Water-Energy-Sovereignty Nexus)، إذ أن استقلالية الأردن في تأمين مياهه من مصادر وطنية يقلل من الارتهان للتقلبات السياسية الإقليمية. ولضمان استدامة الكلف التشغيلية، تم دمج محطة طاقة شمسية كهروضوئية في المشروع لتوفر حوالي 27% من احتياجاته من الطاقة، مما يساهم في خفض البصمة الكربونية وتجنب ارتفاع أسعار الكهرباء على المستهلك النهائي.

تحديات الامتثال الاجتماعي والبيئي (ESG)

نظراً لكونه مشروعاً من "الفئة أ" (Category A) حسب معايير التمويل الدولية، يواجه الناقل الوطني متطلبات صارمة تتعلق بالامتثال البيئي والاجتماعي، خاصة في استملاك الأراضي وحقوق المجتمعات المحلية على طول مسار الخط. إن الدروس المستفادة من مشاريع سابقة (مثل تحقيق البينونة) تؤكد ضرورة مأسسة أطر تشاورية شفافة مع أصحاب المصلحة لضمان الحفاظ على التمويل الدولي وتجنب أي تعثر قد ينجم عن قضايا الحقوق الأرضية أو الآثار البيئية البحرية في خليج العقبة.

التكامل الاستراتيجي والحلول المقترحة (WEFE Nexus)

إن أزمة المياه في الأردن، كما توضحها أبحاثنا، هي "مشكلة مستعصية" (Wicked Problem) لا يمكن حلها عبر المسارات التقنية المنفردة. يتطلب الحل تفعيلاً حقيقياً لنهج الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة (WEFE Nexus) من خلال الخطوات التالية:

1. الحوكمة التحويلية والإصلاح التشريعي

نقترح منح "الشخصية القانونية" لنهر الأردن وحماية حقوق الطبيعة، وتحويل النزاعات المائية من صراعات سياسية إلى قضايا عدالة تصحيحية. كما يجب تفعيل المجلس الوطني للرابطة (Nexus Council) لكسر الحواجز المؤسسية بين الوزارات وضمان مواءمة السياسات الطاقية والزراعية مع ندرة الموارد المائية.

2. رقمنة الإدارة المائية (Focus Metering)

نظراً للفجوة التمويلية في التحول الرقمي، نوصي باستراتيجية "القياس المركز" (Focus Metering)، والتي تعتمد على رقمنة 15% إلى 20% من العقد عالية التدفق في الشبكة، مما يتيح السيطرة على 80% من فوائد الإدارة بأقل استثمار ممكن. هذا المسار سيؤدي إلى خفض الفاقد الإداري بشكل حاسم واستعادة الهيبة الرقابية على المصادر المائية.

3. فك الارتباط بين أسعار الطاقة والمياه

يجب المضي قدماً في سياسة "إلغاء اقتران" (Decoupling) دعم الطاقة عن الاستهلاك الكثيف لضخ المياه، واستبداله بدعم مالي مباشر أو استثمارات في الطاقة المتجددة الموزعة. إن التوسع في محطات التحلية اللامركزية للمياه المالحة في وادي الأردن بكلفة تشغيلية منخفضة (0.38 / متر مكعب) يمثل خياراً اقتصادياً واعداً للزراعة عالية القيمة.

4. التحول العادل والاستدامة الاجتماعية

يجب أن ترافق الإصلاحات في تعرفة المياه (التي غطت 60% من كلف الإنتاج في 2024) شبكات أمان اجتماعي تحمي العائلات الفقيرة واللاجئين، مع استمرار سياسة الفوترة التصاعدية التي تضمن العدالة في التوزيع. كما يجب دعم صغار المزارعين في التحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأعلى قيمة تصديرية لمواجهة ضغوط السوق والظروف المناخية.

الخاتمة

يُظهر التحليل الشامل لواقع المياه في الأردن لعام 2026 أن المملكة تقف على عتبة تحول تاريخي. فبينما توفر المواسم المطرية الغزيرة (كما في 2025-2026) متنفساً مؤقتاً، تظل السدود والحلول التقليدية عاجزة عن سد الفجوة الهيكلية المتنامية. إن مفتاح الحل يكمن في "المرونة الاستراتيجية" التي تجمع بين المشاريع السيادية الكبرى كالناقل الوطني، وبين الثورة الرقمية لخفض الفاقد المائي، وحماية المصادر الجوفية من الاستنزاف الجائر.

إن الالتزام الوطني بالتحديث، المدعوم بالتقنيات الحديثة مثل الطاقة الشمسية العائمة والذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات، يضع الأردن كنموذج إقليمي رائد في إدارة الندرة المائية. إن استكمال مشروع الناقل الوطني وتأمين تمويل خارطة الطريق الرقمية هما الضمان الوحيد لتحقيق "الأمن المائي المستدام" للأجيال القادمة، بعيداً عن تقلبات المناخ والظروف الجيوسياسية.

مدار الساعة ـ