ثلاثة أيام من التجوال في الجنوب الأردني كانت كفيلة بمعرفة المكان والإنسان حيث يتنفس الربيع على مهل وتنهض الحياة من بين الحصى والعشب تتناثر القرى على أطراف الصحراء وعلى سفوح الجبال كأنها نقاط ضوء في وسط معتم
فقطعان الأغنام تعبر المدى وقرقعة أجراسها تنشد نشيد الأرض الأول نشيد البساطة والصبر والرزق الذي لا يأتي إلا لمن يعرف معنى الانتظارالمشهد جميل حد الدهشة لكنه جمال غير مكتمل فالعين ما إن تطمئن للطبيعة حتى يصحبها العقل إلى التدقيق في التفاصيل ماء شحيح وكهرباء لا تصل إلى كل بيت ومدارس بعيدة ومرافق صحية تشق عليها المسافات الوعرة بيوت متباعدة لا يجمعها سوى قسوة المكان ووحدة الحاجة وكأن المسافة بين منزل وآخر تحدث مسافة أبعد بين المواطن والخدماتفي بلد مثقل بالمديونية يفترض أن تنعكس الأرقام على الواقع تخطيطا وعدالة وأثرا ملموسا لكن الواقع يسأل بصوت مبحوح لماذا كل هذه الديون ولا شيء على الأرض التي تشكو الفقر ليلا ونهارا أين تذهب الخطط ولماذا يبقى الجنوب شاهدا على اختلال الأولويات لا على ندرة الموارد فحسبولا يكتمل الحديث عن الجنوب دون التوقف عند مفارقته الكبرى فالجنوب يحتضن كبرى شركات الإنتاج الوطني ويمنحها من أرضه وموارده ما يكفي لصناعة ثروة الوطن كلها فيما تبقى مجتمعات الجنوب على هامش العائد في الجنوب تعمل شركة البوتاس العربية وتدور عجلات شركة مصانع الإسمنت وجامعات عريقة وتنبض العقبة بمينائها فيما تظل البتراء شاهدا عالميا على مجد سياحي لا ينعكس بالقدر الكافي على محيطه الاجتماعي وإلى ذلك يختزن الجنوب مخزونا واعدا من المعادن منها النحاس ومعادن أخرى ينتظر رؤية تنموية تحول الموارد إلى قيمة مضافة محلياومع ذلك لا يرفع الجنوب راية الاستسلام وصوت المواطن يعلن الصمود اليومي زراعة رغم الشح وتعليم رغم البعد وتشبث بالأرض لأن البديل أشد قسوة هذا الصمود مطالبة هادئة بحقوق واضحة تنمية ترى الإنسان أولاالجنوب الأردني الطرف الأغنى والأغلى قلب مفتوح على الاحتمالات الجنوب الغني بموارده الصبور بأهله لا يطلب المستحيل بل معادلة عادلة تتجلى فيها الشراكة بين الدولة والمكان بقدر ما يعود على الإنسان من خدمة وفرصة تنموية ليصبح الربيع وعدا دائما وتتحول قرقعة الأجراس من نشيد صبر إلى نشيد ازدهار.خريسات يكتب: رحلة إلى الجنوب الأردني
مدار الساعة ـ