الاستجابة لديوان المحاسبة هي مؤشر مباشر على جدية إصلاح القطاع العام وقياس مستوى الامتثال والمساءلة، لذلك فإن هنالك تحولا واضحا في منهجية الديوان خلال الأشهر القليلة الماضية، وانتقاله من دور رقابي تقليدي إلى شريك فعلي في تطوير الأداء المؤسسي.
ديوان المحاسبة بات يستهدف رفع نسبة استجابة الجهات الخاضعة لرقابته بكافة تصنيفاتها، من وزارات ودوائر وهيئات مستقلة وجامعات رسمية وبلديات وشركات مملوكة للحكومة بنسبة 50 % فأكثر، وهذا التوجه تُرجم عملياً عبر آليتين أساسيتين، فالأولى تمثلت في تغيير نموذج "حق الاستيضاح" إلى تقارير تدقيق مبنية على مهمات مخططة مسبقاً، ذات نطاق واضح ومدد زمنية محددة، ومخرجات رقابية تناقش مع الجهة المعنية، مع الاتفاق المسبق على الإجراءات التصحيحية وتحديد الجهة المسؤولة داخل المؤسسة، إضافة إلى الالتزام بمدد تصويب وفق التشريعات النافذة، وهذه النقلة أعطت مساحة أوسع للحوار المهني وربطت الملاحظة الرقابية بإجراء عملي قابل للقياس.أما الآلية الثانية، فكانت الانتقال الكامل إلى الحوسبة عبر برمجية تصنف المخرجات الرقابية حسب درجة المخاطر إلى مرتفعة ومتوسطة ومنخفضة، مع وجود ضابط ارتباط في كل جهة، والتزام زمني للرد عبر نظام محوسب بالكامل، وهذا التطور التقني، المتوافق مع المعايير الدولية الفضلى، سرّع الاستجابة، وقلّص المسافة بين جهاز الرقابة ومتخذ القرار، وربط الملاحظة بمتابعة فورية.النتائج الأولية جاءت واضحة، إذ إن نسبة الاستجابة ارتفعت من 48 % إلى 59 % وفق تقرير 2024 مقارنة بالسنة التي سبقتها، مع توقعات بارتفاع أكبر خلال 2025، وهذا التحسن لم يكن معزولاً عن دعم حكومي مباشر، واهتمام من رئيس الوزراء بضرورة الالتزام بتوصيات الديوان ضمن الأطر الزمنية المحددة، ما خلق زخماً إضافياً داخل المؤسسات المختلفة.ورغم هذه الإيجابيات، تبقى بعض الملاحظات الجوهرية بحاجة إلى مدد أطول، خصوصاً تلك التي تتطلب تعديلات على الأنظمة المحوسبة أو أطر الحوكمة أو حتى التشريعات، خاصة أن قانون ديوان المحاسبة يلزم الجهات بالرد خلال شهر، لكن الواقع العملي يفرض أحياناً مساحات زمنية أوسع، وهو ما يتعامل معه الديوان من خلال المتابعة والتفهم دون التفريط بحق التصويب.التحول الأهم أن الديوان بات يركز على منع تكرار المخالفة، لا الاكتفاء برصدها، عبر تعزيز الامتثال للتشريعات والمعايير ومتطلبات الموازنة، وتبني حلول تكنولوجية لتحسين أنظمة المعلومات والإفصاح وتراسل البيانات.وفي ملف استرداد المال العام، أصبح المسار أكثر حسماً، حيث تُبلغ الجهات فوراً، وتشكل لجان تحقيق عند الحاجة، ولا يُغلق الملف إلا بعد التأكد من المباشرة بالتحصيل وإيداع الأموال في صناديق الدولة.هذه المنهجية الجديدة انعكست أيضاً في حالة مساءلة أوسع، تشارك فيها السلطة التشريعية عبر مجلسي النواب والأعيان ولجانهما المالية، بما يعزز الضغط المؤسسي لاستكمال التصويبات، والخلاصة أن الاستجابة لديوان المحاسبة أصبحت جزءاً من مسار إصلاح القطاع العام، مدفوعة بأدوات تدقيق حديثة، وحلول رقمية، وإرادة حكومية، وهدف واضح وهو قطاع عام أكثر التزاماً، وأقل تكراراً للمخالفات، وأكثر قدرة على حماية المال العام.الاستجابة لديوان المحاسبة
مدار الساعة (الغد) ـ