مدار الساعة -في تطور كبير ومتسارع لصراع كسر الهيمنة التكنولوجية الأمريكية وعمالقة "وادي السيليكون"، قرر "البرلمان الأوروبي" حظر أدوات الذكاء الاصطناعي على أجهزة أعضائه وموظفيه بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، لاسيما مع استخدامها خدمات الحوسبة السحابية لأداء المهام وإرسالها البيانات إلى خوادم موجودة خارج نطاق دوله.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حث القرار الصادر في 16 فبراير (شباط) الجاري، وفق "بوليتيكو"، الأعضاء إلى اتخاذ احتياطات مماثلة لأجهزتهم الشخصية، وخاصة عند أداء المهام المتعلقة بالعمل عليها؛ بسبب مخاوف تتعلق باستيراد التكنولوجيا من الدول الأجنبية.يأتي هذا القرار بعد يوم واحد من فتح المفوضية الأوروبية تحقيقاً موسعاً ضد شركة غوغل الأمريكية، في إطار ما اعتبرته "مكافحة الاحتكار للسياسات الإعلانية عبر الإنترنت"، لافتةً إلى وجود مخاوف من هيمنة العملاق التكنولوجي على السوق وممارسات التسعير في الاتحاد الأوروبي في ظل الأدوات التكنولوجية الحديثة، وهو ما يتعارض مع سياساته.سيطر "الذكاء الاصطناعي" على محاور نقاش الاجتماع السنوي للمنتدي الاقتصادي العالمي "دافوس" الذي عُقد في يناير (كانون الثاني) الماضي في المدينة السويسرية، حيث برز كقضية لا تقل إلحاحاً لدى قادة العالم بأسئلة السيادة التكنولوجية والقوة الاستراتيجية. ووفق ما نشرته "يورونيوز"، فقد طرح قادة أوروبا فكرة "الابتعاد عن فكرة الملكية الوطنية الكاملة للذكاء الاصطناعي، والاتجاه نحو الترابط الاستراتيجي"، داعين إلى تعاون متدرج يضمن "أن يستفيد الجميع من هذه التكنولوجيا القوية" بدلاً من سيطرة عمالقة "وادي السيليكون" الأمريكيين عليها، لاسيما غوغل وميتا وآبل ومايكروسوفت."الطاقة" ورقة الحسم في سباق الذكاء الاصطناعي هذا في الوقت الذي تحدث فيه ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لـ مايكروسوفت، خلال قمة "دافوس" بأن "الطاقة" هي العامل الحاسم في تحديد الفائز بسباق الذكاء الاصطناعي، بقوله: "إن المنظومات التي تبدأ باستخدام الطاقة النظيفة ستعود بالنفع على المجتمع بأسره، لكن علينا أن نفكر على المدى الطويل في كيفية بناء المنظومة البيئية كاملة".في هذا السياق، طرح الباحث المعروف بجامعة جورج تاون والمتخصص في "اقتصاديات الأمن" بيتر هيل، سؤالاً عبر حسابه على إكس، قائلاً: "هل سيكون 2026 العام الذي تبدأ فيه أوروبا أخيراً بالتخلص تدريجياً من الاعتماد على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الأمريكية؟".وفي محاولته للإجابة على سؤاله، قال "هيل"، إن هناك تطورات كبيرة ومتلاحقة تتخذها أوروبا للتخلص الفعلي من التكنولوجيا الأمريكية، حيث أعلنت فرنسا أنها ستنهي استخدام الحكومة لبرنامجي Zoom /Teams لصالح منتج محلي، كما أن مشروع "SecNumCloud" الفرنسي سيحظر فعلياً شركات الحوسبة السحابية الأمريكية التي تخدم القطاعات الحيوية.ولفت إلى أن إطار "سيادة الحوسبة السحابية للاتحاد الأوروبي" يسعى إلى الحد من خدمات شركات الحوسبة السحابية الأمريكية على مستوى الاتحاد الأوروبي، فيما استغنى الجيش النمساوي مؤخراً عن حزمة "Microsoft Office" لصالح "LibraOffice".تخوفات أوروبية من قطع الولايات المتحدة التكنولوجية عنهايُشير "هيل" إلى وجود تخوفات حقيقية لدى الاتحاد الأوروبي من وقف أمريكا التكنولوجيا عنها، وهو ما ينم عن "أزمة ثقة"، فضلاً عن أن هذا القلق لا يقتصر على أمن البيانات - الذي يمكن معالجته من خلال التوطين - بل يشمل سلامة البرمجيات نفسها.ويوضح الباحث في اقتصاديات الأمن أن أوروبا تسعى لسلوك نفس مسار الصين في تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية عبر: وجود بيئة سياسية قوية تُجبر فعلياً ليس فقط الوكالات الحكومية، بل القطاع الخاص أيضاً على استخدام بدائل محلية، هذا بجانب توفير تكنولوجيا محلية قابلة للاستخدام وقابلة للتوسع.ويلفت تقرير حديث لـ "بوليتيكو"، إلى أن مساعي أوروبا للانسحاب البطيء من الاعتماد على أمريكا، تأتي في سياق تهديدات ترامب المستمرة بشأن الاستيلاء على "غرينلاند"، وتصريحاته العدائية تجاه أوروبا من قبل أعضاء إدارته، وهو ما يُعطي زخماً جديداً لدعوة القادة الأوروبيين إلى "الاستقلال".ورغم ذلك لا تزال جهود "فك الارتباط" الأوروبي عن أمريكا في بداياتها، ولا تزال الولايات المتحدة الشريك التجاري الأكبر لأوروبا بفارق كبير، وبحسب جان لوك ديمارتي، المسؤول السابق في المفوضية الأوروبية سيستغرق الأمر سنوات حتى يتمكن التكتل من التخلص من الاعتماد على التكنولوجيا والدعم العسكري الأمريكي.70 % من بنية الحوسبة السحابية الأوروبية أمريكية بحسب "بي بي سي"، فإن جوهر المخاوف الأساسية يكمن في حقيقة أن ثلاثة عمالقة أمريكيين فقط - غوغل ومايكروسوفت وأمازون - يوفرون 70% من البنية التحتية للحوسبة السحابية في أوروبا، وهي البنية التحتية التي تعتمد عليها العديد من الخدمات عبر الإنترنت.ولا يُستبعد بحسب الموقع البريطاني، من استخدام ترامب لسلاح التكنولوجيا في حربه ضد أوروبا إذا تأزمت الأوضاع؛ عبر إصدار أوامر لتلك الشركات بإيقاف خدماتها عن القارة العجوز، حيث ستصبح "البيانات الحيوية غير قابلة للوصول، وستتوقف المواقع الإلكترونية عن العمل، وستتعرض الخدمات الحكومية الأساسية مثل أنظمة تكنولوجيا المعلومات في المستشفيات للفوضى".وتستمر المخاوف الأوروبية بشأن غياب "السيادة الرقمية"، حيث لا تهيمن الشركات الأمريكية على سوق الحوسبة السحابية فحسب، بل تهيمن أيضاً على الأجهزة والإنترنت عبر الأقمار الصناعية والآن الذكاء الاصطناعي، حتى أن أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة الرئيسية في المنطقة - أبل وأندرويد - وشبكات الدفع - ماستركارد وفيزا - أمريكية.إمكانات ضعيفة أمام الهيمنة الأمريكية تمتلك أوروبا مزودين خاصين بها فقط،في مجال الحوسبة السحابية، لكنهم يمثلون جزءاً صغيراً من السوق، ولا يمتلكون نفس الحجم أو نطاق القدرات، كما يقول داريو مايستو، وهو محلل كبير يغطي السيادة الرقمية في شركة الاستشارات التجارية العالمية فورستر.في تقرير عن القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي في عام 2024، أشار ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، إلى أن أوروبا "متخلفة بشدة" في التقنيات الجديدة، وأن "أربع شركات فقط من بين أفضل 50 شركة تقنية في العالم هي شركات أوروبية".وهناك نماذج أوروبية رائدة مثل شركة هولندية، متخصصة في مجال الآلات اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات التي تُشغّل وتُدير قطاعاً مُهماً من العالم الرقمي، فضلاً عن "SAP" التي تُعد أكبر مُورّد لبرامج تخطيط موارد المؤسسات في العالم.لكن هذه الشركات الأوروبية لا تُضاهي نظيراتها الأمريكية من حيث القيمة السوقية. فعلى سبيل المثال، تبلغ القيمة السوقية لشركة "ASML" الهولندية 376 مليار دولار، بينما تبلغ قيمة العملاقين الأمريكيين "إنفيديا" 4.3 تريليون دولار، و"مايكروسوفت" 3.8 تريليون دولار، وفق "أتلانتيك كونسيل".زلزال تقني في القارة العجوز.. البرلمان الأوروبي يحظر الذكاء الاصطناعي على أجهزة أعضائه
مدار الساعة ـ











