"إن الوقت قد حان لإيجاد إطار تشريعي يتجسد فيه ضمان اجتماعي، يكفل للفرد العامل والمواطن الصالح الراحة والطمأنينة في حالة مرضه، وعجزه، وشيخوخته، ويهيئ لأفراد أسرته العيش الكريم"، بهذه الكلمات أعلن جلالة الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه- عن صدور المكرمة الملكية بإنشاء الضمان الاجتماعي سنة 1977.
لقد حدد المشرع السن التي تبدأ معها بعض المراحل العمرية مثل المراهقة والطفولة؛ حيث كان هذا التحديد ضروريًا لتنفيذ قانون الأحداث، في حين أنه لم يحدد سن الشيخوخة، أي متى يدخل الشخص تلك المرحلة.إلا أن معظم التشريعات جعلت سن الستين سن الشيخوخة؛ فعلى سبيل المثال فإن "المسن" وفقًا لنظام رعاية المسنين لسنة 2021 يشترط به أن لا يقل عمره عن (60) سنة (المادة 2 من النظام)، كما أنه يشترط للانتفاع من حساب رعاية المسنين أن يكون الشخص من الفئة العمرية (60) سنة فما فوق (المادة 3 من التعليمات لسنة 2022).وفي سياق القوانين التقاعدية، فإن قانون التقاعد المدني يجعل سن الستين سن التقاعد كأصل عام (المادة 12 من القانون)، والأمر نفسه يقال بشأن قانون التقاعد العسكري (المادة 8 من القانون).وفيما يتعلق بالضمان الاجتماعي فقد تعاقبت على تنظيمه العديد من التشريعات منذ عام 1978؛ كان آخرها قانون رقم (1) لسنة 2014 والأنظمة الصادرة بمقتضاه، وقد انبنت جميع تلك التشريعات طوال تلك السنوات على أن سن التقاعد هو (60) سنة، واستثناءً من ذلك فقد جعل المشرع سن التقاعد للمرأة (55) سنة؛ وقد يرجع السبب في ذلك إلى رغبة المشرع في تشجيع المرأة على الالتحاق بالعمل والمشاركة في التنمية، وتمكينًا لها من الموازنة بين أدوارها داخل البيت (الفضاء الخاص) وخارجه (الفضاء العام)، وقد يكون هذا التمايز في سن التقاعد إيمانًا من المشرع بالأدوار المتعددة المنوطة بالمرأة في الفضاءين العام والخاص.أما اليوم فقد أقر مجلس الوزراء الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي تمهيدًا لعرضه على مجلس النواب وبدء مرحلة الإقرار، ولعل أبرز مسألة سيطالها التعديل هي سن التقاعد؛ بحيث سيصل- تدريجيًا- إلى (65) سنة للرجل، و(60) سنة للمرأة.لكن، ألم تؤد كل تلك السنوات من الاستقرار في التنظيم التشريعي لسن التقاعد إلى جعل سن الستين بداية لمرحلة الشيخوخة؟ ثم ما الذي تمتاز به النساء اليوم عن النساء في السنوات الماضية لرفع سن التقاعد بالنسبة إليهن؟إن هذا التعديل قد لا يتوافق مع المادة (6) من الدستور؛ فقد أوجب المشرع من خلالها حماية الشيخوخة، وإن حماية الشيخوخة تكون بإضافة حقوق وامتيازات لما هو موجود حاليًا وليس الانتقاص منها عن طريق رفع سن التقاعد.أضف إلى ذلك فإن رفع سن التقاعد قد يؤدي أيضًا إلى الانتقاص من الطمأنينة التي أوجب المشرع على الدولة كفالتها (المادة 6 من الدستور)، فلا يوجد ما يلزم أرباب العمل بالإبقاء على العامل الذي يكمل سن الستين.إن مقترح رفع سن التقاعد يحتاج إلى دراسة مستفيضة للتأكد من خلوه من شبهة عدم الدستورية، فإن تمت مراحل العملية التشريعية جميعها فليس هناك ما يمنع من الطعن بعدم دستورية النص الموجب لرفع سن التقاعد لتقوم المحكمة الدستورية بإعمال الرقابة على دستورية النص، وقد قال جلالة الملك عبد الله الثاني عن المحكمة إنها: "أحد أهم الضوابط للمرحلة المقبلة باعتبارها ضمانة لتعزيز الفصل والتوازن بين السلطات، ومراقبًا لاحترام سيادة القانون والشرعية عبر مواءمة القوانين والأنظمة النافذة مع الدستور روحًا ونصًا" (من رسالة جلالته إلى رئيس المحكمة وأعضائها سنة 2012).