أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ربابعة يكتب: تعميق الحوار الوطني.. المدخل الحقيقي لإصلاح الإدارة المحلية


المحامي عاصم ربابعة

ربابعة يكتب: تعميق الحوار الوطني.. المدخل الحقيقي لإصلاح الإدارة المحلية

مدار الساعة ـ

يشكّل قانون الإدارة المحلية أحد أهم الاختبارات العملية لمسار التحديث الذي تتبناه الدولة في أبعاده السياسية والاقتصادية والإدارية. فالمواطن لا يقرأ القوانين بقدر ما يلمس أثرها في الشارع والخدمة وسرعة الاستجابة. لذلك، لا ينبغي أن يُختزل النقاش الدائر حول هذا القانون في تفاصيل فنية أو مواد إجرائية، بل يجب أن يُفهم بوصفه محطة مفصلية تقيس مدى جدية الانتقال من النصوص إلى الواقع، ومن الخطاب إلى الأثر الملموس في حياة الناس.

الإدارة المحلية ليست مجرد إطار تنظيمي لإدارة البلديات والمحافظات، بل هي المساحة الأقرب للمواطن، حيث تتجسد العلاقة اليومية بين الدولة والمجتمع من خلال الخدمات، والتنظيم الحضري، والنظافة، وتخطيط التنمية، وإدارة الموارد المحلية. ومن هنا، فإن أي إصلاح حقيقي في هذا القطاع ينعكس مباشرة على جودة الحياة، وكفاءة المؤسسات، وعدالة توزيع الخدمات، ومستوى المساءلة.

في جوهره، يسعى التحديث السياسي إلى توسيع المشاركة وتعزيز المساءلة. غير أن هذه الأهداف لا تتحقق فقط عبر تطوير القوانين الناظمة للحياة الحزبية أو البرلمانية، بل تبدأ فعليًا من المستوى المحلي؛ حيث يشعر المواطن بأن صوته مؤثر، وأن ممثليه المنتخبين يمتلكون صلاحيات واضحة، وأن العلاقة بينهم وبين الأجهزة التنفيذية محددة بدقة. وعليه، فإن قانون إدارة محلية عصري ينبغي أن يرسخ وضوح العلاقة بين المجالس المنتخبة والإدارة التنفيذية، ويحدد الصلاحيات والمسؤوليات بدقة، ويوفر أدوات رقابة فعالة، ويؤسس لمساءلة قائمة على الأداء. فحين تتداخل الصلاحيات أو تغيب الحدود الواضحة، تتراجع الفاعلية ويضعف الدور الرقابي وتتآكل الثقة العامة. أما حين ترتبط الصلاحيات بالمحاسبة، يصبح الانتخاب أداة حقيقية للتغيير لا مجرد إجراء شكلي.

وإذا كان التحديث السياسي يختبر المشاركة والمساءلة، فإن التحديث الاقتصادي يختبر قدرة الدولة على تحسين جودة الحياة وتقليص الفجوات التنموية. فالتنمية المحلية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية ترتبط مباشرة بخدمات البلدية، وتنظيم المدن، وتيسير الإجراءات، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي. بلدية فاعلة تعني خدمات أكثر كفاءة، وبيئة حضرية منظمة، وإجراءات أقل تعقيدًا، وقدرة أكبر على جذب الاستثمار ودعم المشاريع المحلية، ومساهمة حقيقية في تقليص الفجوات بين المحافظات. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تمكينًا فعليًا، سواء من حيث الموارد المالية أو الصلاحيات الإدارية، فلا يمكن مساءلة المجالس المحلية عن نتائج لا تملك أدوات تحقيقها. الإصلاح الحقيقي يقتضي ربط الصلاحيات بالمسؤولية، وربط الموارد بالأداء، ضمن إطار قانوني متوازن وواضح.

أما تحديث القطاع العام، فيضع معيارًا لا يقل أهمية: الانتقال من التركيز على الإجراءات إلى التركيز على النتائج. وهو معيار يفترض أن يظهر بوضوح في القانون الجديد عبر أدوات عملية؛ مثل قياس جودة الخدمات بمؤشرات أداء واضحة، وتعزيز الشفافية في البيانات والقرارات والإنفاق، وتقوية منظومة الرقابة الداخلية، وترسيخ مساءلة مبنية على مؤشرات قابلة للقياس. فالحوكمة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بتفعيل أدوات الرقابة، ونشر المعلومات، وربط التقييم بالإنجاز. والإدارة المحلية الحديثة هي التي تُقاس بمدى رضا المواطنين عن خدماتها، لا بعدد المواد القانونية التي تتضمنها.

قد يتركز النقاش أحيانًا حول شكل المجالس أو آليات تشكيلها، وهو نقاش مشروع. لكن التجربة أثبتت أن جودة الأداء لا يضمنها الشكل وحده، بل وضوح الصلاحيات، وكفاءة الإدارة، واستقلال القرار المحلي ضمن إطار مؤسسي منظم، وقوة منظومة المساءلة والرقابة. وفي النهاية، يظل معيار المواطن هو الأصدق: هل تحسنت الخدمات؟ هل أصبحت البلدية أكثر استجابة؟ هل أصبحت الصلاحيات واضحة؟ هل ارتفع مستوى الشفافية في الإنفاق؟ وهل يشعر المواطن أن له دورًا حقيقيًا في القرار المحلي؟ إذا لم ينعكس القانون على هذه الأسئلة بإجابات إيجابية، فإن الإصلاح يبقى حبيس النصوص.

وهنا تحديدًا تبرز ضرورة تعميق الحوار الوطني حول قانون الإدارة المحلية. فأهمية القانون واتساع أثره يفرضان نقاشًا واسعًا وتشاركيًا يضم البلديات، والخبراء، ومؤسسات المجتمع المدني، والجهات الرقابية، والسلطة التشريعية والتنفيذية، والمواطنين أنفسهم. سلامة الصياغة القانونية شرط مهم، لكن الأهم هو قابليتها للتطبيق وملاءمتها لواقع المحافظات وتحدياتها. والحوار الجاد ليس ترفًا سياسيًا، بل استثمار مباشر في استقرار الإدارة وجودة الخدمات وتعزيز الثقة العامة.

في النهاية، الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنصات، ويتعزز بالتوافق، ويُقاس بالنتائج. وقانون الإدارة المحلية اليوم ليس مجرد تشريع جديد، بل فرصة لإثبات أن مشروع التحديث قادر على الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ، ومن النقاش إلى خدمة أفضل وعدالة أوسع وكفاءة أعلى يلمسها المواطن في حياته اليومية.

مدار الساعة ـ