أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: من الأدب إلى الثورة.. تأثير تشيرنيشيفسكي على فكر لينين


جمال القيسي

القيسي يكتب: من الأدب إلى الثورة.. تأثير تشيرنيشيفسكي على فكر لينين

مدار الساعة ـ

من المعروف للقارئ النابه أن رواية "ماذا نفعل؟" للكاتب والفيلسوف الروسي نيكولاي تشيرنيشيفسكي (1828–1889)، الصادرة عام 1863، كانت دعوة صامتة للتغيير، وشعورًا بالمسؤولية تجاه العالم. الشخصيات فيها، من الشباب الطموح إلى المرأة المستقلة، لم تكن نماذج أدبية، بل تجسيدا لأمل في مجتمع أكثر عدلاً، حيث العمل والإبداع والتعليم والكرامة الإنسانية حقوق أصيلة للإنسان.

حين قرأ الرواية شاب اسمه فلاديمير لينين (1870–1924)، شعر أنها تتحدث إليه مباشرة. وجد فيها درسا عن كيفية تنظيم العمل الاجتماعي، وأحس بحكم وعيه المبكر أهمية التعاون بين الأفراد الذين يشتركون في حلم واحد، وبضرورة الإيمان العميق بقدرة الإنسان الهائلة على التغيير. تلك الرواية ألهمته تصور الثورة التي سيصنعها ليس كمجرد فكرة بل كعمل ثقافي يومي دؤوب ومنظم يربط الفكر بالعمل.

بعد عقود من هذا الإلهام، كتب لينين كتابه "ما العمل؟" عام 1902، ليحوّل الرؤية الأدبية التي فتنته إلى خطة عملية للثورة. كان الحزب الثوري في ذهنه كيانا منظما، لا مجال فيه للصدفة والعفوية والارتجال؛ بل هو تنظيم حزبي دقيق، وتعليم مستمر للعمال وللمثقفين أيضا، ودور واضح لكل فرد في إطار الجماعة. كان يعلم أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن العمل المنظم، المخطط له بعناية والهادئ في سريته هو الذي يحمي الحلم من قسوة الواقع.

في كتابه، تظهر الثورة كواجب أخلاقي، وليست صراعا على السلطة، بل وسيلة لتحرير الإنسان وإعطاء كل فرد في مجتمعه حقه في الكرامة والعمل المنتج. الفكر يلتقي هنا بالفعل، والإلهام الأدبي يتحول إلى فعل ملموس، وخطوة صغيرة من تنظيم أو تعليم أو نشر صحيفة في ذلك الزمن يمكن أن تكون بداية لتحول كبير.

ما يربط بين تشيرنيشيفسكي ولينين ليس مجرد تأثير فكري، بل شعور مشترك بالمسؤولية تجاه المجتمع والإنسان، رغبة في تجاوز الظلم والجمود، وإيمان بأن الحرية والعمل هما الطريق لتحرير الحياة نفسها. الأدب لم يظل كلمات على صفحات رواية، والسياسة لم تكن مجرد حزب للتنظير دون عمل، بل رحلة واحدة نحو مجتمع ووطن يستحقه الإنسان الذي يؤمن به.

مدار الساعة ـ