أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: إلا الضمان الاجتماعي لأنه ركيزة صمود الوطن وحماية المواطن


د. زيد احسان الخوالدة

الخوالدة يكتب: إلا الضمان الاجتماعي لأنه ركيزة صمود الوطن وحماية المواطن

مدار الساعة ـ

هذه تتمّة لمقالي المعنون بـ «أفكار مقترحة لتنشيط الضمان الاجتماعي في ضوء الواقع الاقتصادي الأردني»، وتتناول استكمالًا للنقاش حول كيفية تحويل الضمان الاجتماعي من مجرد عبء مالي إلى خط دفاع استراتيجي للأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي، عبر البدائل والسياسات الذكية التي توازن بين استدامة الصندوق ومصلحة المواطنين.

لا يمكن النظر إلى قانون الضمان الاجتماعي بوصفه تشريعًا ماليًا محضًا، ولا باعتباره نظامًا تقاعديًا منفصلًا عن السياق العام للدولة. فالضمان الاجتماعي جزء عضوي من العملية التنموية، وعنصر أساسي في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وأي تعديل جوهري عليه لا بد أن يترك أثره في مختلف القطاعات، لا على العامل أو الموظف وحده، بل على مجمل الحركة الاقتصادية في البلاد.

إن التغييرات المقترحة على قانون الضمان لن تنعكس على الأفراد فقط، بل ستمتد آثارها إلى قطاعات حيوية مثل: العقارات، والصناعة، والتجارة، والصحة، والتعليم العالي. فحين تُقيَّد فرص التقاعد أو تُرفع سنّه دون بدائل مدروسة، يتباطأ الإحلال الوظيفي، وتبدأ المؤسسات بالتحول تدريجيًا إلى مؤسسات هرِمة، في وقت يُفترض فيه أن يستثمر الأردن أهم ما يميّزه: طاقاته الشابة.

ومن الخطأ البالغ أن تُعالَج أزمة الضمان الاجتماعي بمنطق الاقتطاع وحده أو من زاوية مالية ضيقة، لأن الضمان ليس مجرد جهة لتحصيل الاشتراكات، بل هو في جوهره مؤسسة ذات وظيفة اجتماعية وتنموية. وحين يتحول إلى مؤسسة استحصال لا مؤسسة استثمار وتنمية، فإنه يفقد مبرره الاجتماعي، ويتحوّل من صمام أمان إلى مصدر قلق دائم للأفراد.

وهنا تبرز مسألة بالغة الأهمية كثيرًا ما تُغفل في النقاشات الرسمية، وهي: كيف سيتكيّف المواطن سلوكيًا مع هذا الواقع الجديد إذا طُبّق؟

فالإنسان لا يستجيب للقرارات الاقتصادية بوصفها أرقامًا مجردة، بل بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنه المعيشي. ومن المتوقع، في مثل هذه الحالة، أن يلجأ المواطنون إلى استراتيجيات تكيّف دفاعية، أبرزها تقليص الإنفاق إلى الحد الأدنى، والتخلي عن أي شكل من أشكال الرفاه النسبي الذي يحافظ على دوران العجلة الاقتصادية.

وسيؤدي هذا السلوك الدفاعي الجماعي إلى ركود في الطلب، وانكماش في الحركة التجارية، وتراجع في الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، بما ينعكس سلبًا على معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية. وهنا تكمن المفارقة: إن القانون الذي يُراد به معالجة عجز مالي، قد يساهم عمليًا في تعميق الأزمة عبر تعطيل الحركة الاقتصادية ذاتها.

ولا يقف الأثر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى المجال الاجتماعي، حيث يُتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى:

اتساع دائرة الفقر،

تراجع حجم الطبقة الوسطى،

ارتفاع معدلات البطالة،

زيادة احتمالات الجريمة والانحراف بوصفها مخرجات طبيعية للإحباط الاقتصادي المزمن.

كما أن الجامعات والمؤسسات العلمية ستكون من أوائل المتضررين، لأن الاستقرار الوظيفي شرط أساسي لاستقطاب العقول والكفاءات. ومع تآكل هذا الاستقرار، يُخشى من تسارع هجرة الطاقات العلمية والمهنية إلى الخارج، بما يعني نزيفًا معرفيًا لا يقل خطرًا عن النزيف المالي.

من هنا، فإن المطلوب من الحكومة ألا تكتفي بتشديد الشروط أو رفع سن الاستحقاق، بل أن تتجه إلى تقديم بدائل ذكية، من أبرزها التفكير في صيغ طوعية لما يمكن تسميته بـ التقاعد البيني، أي المرحلة الواقعة بين التقاعد المبكر وتقاعد الشيخوخة. فالتقاعد البيني، إذا صُمّم بحوافز مدروسة، يمكن أن يحقق هدفين متوازيين:

أولًا: تخفيف العبء طويل الأمد على صندوق الضمان الاجتماعي.

ثانيًا: فتح المجال أمام إحلال وظيفي تدريجي يسمح بدخول الطاقات الشابة إلى سوق العمل دون صدمة مؤسسية.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطًا بإصلاح فلسفة الاستثمار داخل مؤسسة الضمان نفسها، عبر الانتقال من عقلية الصندوق الصرفي إلى عقلية المؤسسة التنموية، التي توظف أموالها في مشاريع إنتاجية حقيقية، لا في عوائد ريعية محدودة أو سياسات مالية قصيرة النظر.

إن ترك آخر معاقل الأمان الوظيفي دون بدائل مدروسة، والاعتماد على الحلول السهلة قصيرة الأجل، يهدد بتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، ويحوّل المشكلة من ملف مالي إلى ملف استقرار اجتماعي. فالمسألة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل تتعلق بشعور الناس بالأمان، وبسلوكهم الاقتصادي، وبعلاقتهم بالدولة.

وعليه، فإن تعديل قانون الضمان الاجتماعي يمكن أن يكون إصلاحًا بنيويًا إذا بُني على رؤية تنموية شاملة، تقوم على الخيارات الطوعية لا القسرية، وعلى الحوافز لا العقوبات، وعلى الاستثمار المنتج لا الاقتطاع وحده. أما إذا أُدير بعقلية مالية ضيقة، فإنه قد يتحول إلى صدمة اجتماعية واسعة تكون كلفتها المستقبلية أعلى بكثير من كلفة العجز الذي يُراد علاجه.

إن الضمان الاجتماعي ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل أداة وقاية وطنية ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها. فدرهم الوقاية في هذا الملف خير من قنطار علاج لاحق في ملفات الفقر والبطالة والجريمة وعدم الاستقرار.

مدار الساعة ـ