أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحرب لم تبدأ بعد... مرحلة الحسم أخطر من الصواريخ


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

الحرب لم تبدأ بعد... مرحلة الحسم أخطر من الصواريخ

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة ـ

في الظاهر، تبدو المنطقة وكأنها تعيش ذروة اشتعالها: ضربات متبادلة، رسائل نارية، قواعد عسكرية مستهدفة، وحدود مفتوحة على الاحتمال. لكن القراءة الجيواستراتيجية الأعمق تكشف أن ما نشهده ليس الحرب الكبرى بعد، بل مرحلة إعادة تموضع قسري تمهّد لحرب مختلفة كليًا عن السنوات الماضية.

اليوم، لسنا أمام حرب تقليدية تُعلن ببيان عسكري، بل أمام تحوّل تاريخي يُعاد فيه تشكيل ميزان القوة طبقة فوق أخرى. الضربات المتبادلة، تهديد الممرات البحرية، وتوسّع مسارح الاشتباك من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط ليست أحداثًا منفصلة، بل مؤشرات على انتقال الشرق الأوسط من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة النظام الإقليمي ذاته. وعليه، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تبدأ الحرب، بل كيف سيبدو الإقليم بعد انتهائها؟

الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ليست مجرد ردع تكتيكي، بل جزء من عملية أوسع لإعادة ضبط قواعد الاشتباك قبل تثبيت معادلة إقليمية جديدة. إسرائيل لا تتحرك منفردة، والولايات المتحدة لا تخوض معاركها كما فعلت في العقدين الماضيين؛ بل نحن أمام تحالف تجاوز اليوم مرحلة اختبار حدود الرد الإيراني إلى مرحلة الحسم قبل إعادة تشكيل المنطقة وتوزيع النفوذ.

في المقابل، خلطت طهران الأوراق مبكرًا عبر تفعيل مسارح ضغط مباشرة وغير مباشرة، معتمدة على أدوات ردع غير متناظرة، صواريخ دقيقة، ومسيّرات، وشبكات نفوذ عابرة للحدود. إيران، حتى وإن لم تكن في أفضل حالاتها، ما تزال قوة إقليمية محورية، لها تحالفاتها الدولية القائمة على المصالح الاقتصادية، النفوذ السياسي، وأذرعها في لبنان، العراق، والحوثيين في اليمن، ما زالت فاعلة، مما يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله بسهولة حتى اليوم، وتربط حساباتها مباشرة بأمن الممرات البحرية الحيوية.

استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج ليس مجرد حدث عسكري محدود، بل رسالة جيوسياسية واضحة المعالم. فهو لا يهدف فقط إلى إيلام واشنطن، بل إلى كسر صورة الهيمنة المطلقة، وإيصال رسالة بأن زمن الحروب النظيفة عن بُعد قد انتهى. وإذا تحولت هذه الهجمات إلى نمط مستدام، فإن أمن الطاقة، خطوط الملاحة، وسلاسل الإمداد العالمية ستدخل مرحلة اختلال خطير.

المفارقة البنيوية واضحة، مرونة عسكرية خارجية مقابل هشاشة اقتصادية ومجتمعية داخلية. ومن هذه المفارقة تتشكل طبيعة المرحلة المقبلة، حرب قد لا تُحسم بالصواريخ، بل تُدار كاستنزاف طويل يراكم الضغوط حتى لحظة الانعطاف السياسي الحاسمة. ومع اتساع الاستهداف ليشمل أراضي دول الخليج والأردن، تصبح المخاطر ليست محلية او إقليمية فحسب، بل عالمية، ما يجعل المنطقة مسرح عملياتي مفتوحًا. دول المنطقة، لها خبرتها بالطموحات الإيرانية، القائمة على الإرث التاريخي والعقائدي التوسعي، والذي أصبح جزء من سرديتها خلال العقود الأخيرة.

مضيق الخليج العربي، وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين؛ هما ورقتا ضغط استراتيجيتان عالميتان. إغلاق مضيق الخليج العربي، يعني صدمة فورية في أسواق الطاقة، بينما تعطيل باب المندب يضرب التجارة بين آسيا وأوروبا في صميمها. وإذا اجتمع الضغط على المضيقين، فلن تبقى الأزمة محلية، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تعيد تعريف أمن الطاقة والممرات البحرية.

ومن الخليج ننتقل شرقًا، حيث تتقاطع التوترات بين باكستان والهند مع هشاشة الوضع على الحدود الباكستانية–الأفغانية. هذه الجبهة ليست منفصلة عن المشهد الإيراني–الخليجي؛ ففي الحروب الحديثة لا توجد أطراف جانبية. أي انفتاح واسع للمسرح الإيراني قد يحوّل جبهتها الشرقية إلى ساحة استنزاف إضافية، سواء عبر تصاعد التوتر الباكستاني–الهندي، او الباكستاني–الأفغاني، أو إعادة توظيف الفاعلين غير الدوليين. صحيح أن الردع النووي يقلل احتمالية الحرب الشاملة بين الهند وباكستان، لكن تصعيدًا محدودًا يكفي لخلط الحسابات، ومن هنا الجميع مستهدف بدرجات مختلفة.

في لبنان، يقف حزب الله أمام معادلة دقيقة، حماية الداخل المنهك اقتصاديًا أم الانخراط في مواجهة أوسع. لبنان لا يحتمل حربًا جديدة، لكن الحسابات الإقليمية قد لا تمنحه ترف الحياد. أما العراق، فإن نفوذ الحشد الشعبي يجعل بغداد في قلب التوازن المختل بين طهران وواشنطن، وأي خطأ قد يحوّل العراق إلى نقطة اشتعال مركزية. وهكذا، تصبح هذه الساحات أدوات ضبط إيقاع في حرب استنزاف طويلة تُدار على حافة الانفجار.

تركيا تتحرك ببراغماتية القوة الوسطى؛ عضو في حلف شمال الأطلسي لكنها تحافظ على قنوات مع طهران وموسكو، وتسعى إلى منع الفوضى من الاقتراب من حدودها واستثمار أي فراغ لتعزيز نفوذها.

دوليًا، تنظر أوروبا إلى التصعيد من زاوية أمن الطاقة والاستقرار الداخلي، فتدعم الردع مع السعي لمنع الانفجار. في المقابل، ترى روسيا في انشغال واشنطن فرصة استراتيجية، لكنها لا ترغب في فوضى تفقدها تحالفاتها، والقدرة على التحكم بإيقاع التوازنات. بينما تدفع الصين نحو التهدئة لحماية مصالحها، وتدفق التجارة والطاقة، وطريق الحرير، دون الانخراط العسكري المباشر.

الهند، رغم خطاب التوازن، تميل استراتيجيًا نحو الشراكة الأمنية مع إسرائيل والولايات المتحدة، مع الحفاظ على براغماتية اقتصادية مع إيران. وهكذا، يتحول الشرق الأوسط إلى عقدة تنافس عالمي تُدار فيها الأزمات بحسابات باردة لا بعواطف سياسية.

الدولة الإيرانية ليست كيانًا هشًا يسقط بضربة. لديها مؤسسات راسخة، بنية أمنية متماسكة، أذرع نفوذ إقليمية قوية، وشبكات تحالفات دولية. لكن حرب استنزاف متعددة الطبقات ستضعف تماسكها تدريجيًا. السيناريو الأرجح ليس السقوط الكامل او التفكك، بل إعادة ترتيب داخلي أو صفقة كبرى تعيد إدماج إيران بشروط جديدة، دور إقليمي محدود، والتخلي عن الأيدولوجيا الدينية، وضبط أذرعها الإقليمية. وهنا يصبح الاستنزاف طريقًا إلى التفاوض لا الانهيار.

غير أن الأخطر من الصواريخ هو ما يجري في الأسواق، ضغوط اقتصادية وسياسية، تقلبات مالية، وضغط على أسواق الطاقة، قد تكون أشد فتكًا من أي قصف. وإذا طال أمد هذا الصراع، فقد تنتج عنه تحولات ديموغرافية، وموجات هجرة إقليمية، ونزوح داخلي في بعض الدول، وإعادة توزيع سكاني بفعل الانهيارات الاقتصادية. هنا تتجاوز الحرب حدود الجيوش لتصل إلى عمق المجتمعات.

وسط هذا المشهد، يبرز السؤال الأردني. الأردن تاريخيًا يتقن هندسة التوازن بين المحاور ويحافظ على عقلانية استراتيجية تحمي استقراره في بيئة مضطربة. لكنه اليوم يواجه بيئة أكثر قسوة، ضغوط اقتصادية متراكمة، وحدود ملتهبة، وتحولات في خرائط التحالفات. الحياد ليس سلبية، بل تموضع دقيق؛ الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية، وإدارة العلاقة المعقدة مع الجوار، وتجنب التحول إلى ساحة صراع، قد يتجنب الأردن الانجرار العسكري، لكن في المدى المتوسط ستكون الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية هي الاختبار الأصعب على الجميع.

الأردن اليوم مستهدف، أكثر من أي وقتاً مضى، لذلك، فالأردنيون مطالبين بالتصدي لكافة محاولات الاختراق مهما كان شكلها، والوقوف خلف جيشهم العربي، وان تكون ثقتهم كبيرة في قيادتهم الهاشمية، التي تجدف بقاربهم للوصول به الى بر الأمان.

المنطقة دخلت مرحلة الحسم الفعلي. إعادة هيكلة الإقليم لن تكون اتفاقًا معلنًا، بل عملية تراكمية من الضغوط والصدمات، تعيد توزيع النفوذ وتشكل مرحلة أزمات اقتصادية خانقة.

كما تذكرنا كلمات طارق عزيز عام 2003 "انهم لن يأتوا للنزهة"، فاليوم نحن أمام مرحلة حسم ستعيد كتابة الخرائط الجيوسياسية بالكامل، وسيذكر التاريخ الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال القرن الماضي.

الحرب لم تبدأ بعد، لأنها لم تبدأ بالطرق المتعارف عليها عبر التاريخ، ولن تبدأ بطلقة واحدة. ستبدأ حين تتقاطع الضربات المحدودة مع الانهيارات الاقتصادية، وحين يصبح الاصطفاف القسري القاعدة لا الاستثناء. عندها فقط، سيدرك الجميع أن ما كان يُظنّ أنه ذروة التصعيد لم يكن سوى المقدمة.

ويبقى السؤال الأعمق، من يستطيع البقاء كدولة متماسكة حين تُعاد كتابة خرائط النفوذ والجيوسياسية في المنطقة بأكملها؟

مدار الساعة ـ