أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: كيف يواجه الأردن التهديدات السيبرانية؟


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: كيف يواجه الأردن التهديدات السيبرانية؟

مدار الساعة ـ

النزاع العسكري الراهن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر يفرض واقعاً أمنياً معقداً على دول المنطقة. وبذلك يتحوّل الأمن السيبراني في الأردن إلى أداة مركزية في السياسة الأمنية الوطنية كجزء تقني وكعنصر استراتيجي في السياسة الأمنية الأردنية التي تقرأ التهديدات وتحوّل المعلومة إلى قدرة فعلية على الدفاع ورسم السياسات.

إن الطبيعة المتغيرة للصراع الإقليمي الحاي حيث أصبحت فيه الفضاءات الرقمية ساحة مواجهة بحد ذاتها تفرض على الأردن أن يتبنّى نهجاً أمنياً شاملاً يستشرف السيناريوهات المستقبلية ويضع آليات دفاع واستجابة تتجاوز التعامل مع الحوادث بعد وقوعها لتصل إلى مستوى القدرة على التوقع والتحكم في مسارات التهديدات الرقمية.

النزاع العسكري الحالي في الإقليم يُبيّن أن الفضاء السيبراني يُستخدم كوسيلة تأثير لا تقل خطورة عن الوسائل العسكرية التقليدية. الخصوم في هذا النزاع لا يستهدفون فقط الشبكات أو الأنظمة بل يسعون إلى خلق ضغط سياسي واقتصادي واستراتيجي عبر تعطيل البنى التحتية الحيوية التشويش على نظم الخدمات العامة وزعزعة ثقة الجمهور في قدرة الدولة على حماية مصالحها الأساسية. أمام هذا الواقع، يجب على السياسة الأمنية الرقمية في الأردن أن تتسع لتشمل تحليل المشهد الإقليمي وتحديد كيف يمكن لصراع القوى في الإقليم أن ينعكس على البيئة الرقمية للدولة الأردنية.

التهديدات الرقمية التي تنطلق من بيئات توتر معقدة أو من تضارب مصالح القوة في المنطقة ليست تهديدات عشوائية وليست مجرد هجمات تقنية عابرة. هي عمليات مدروسة تستهدف نظم التحكم والمراقبة وقطع خدمات الاتصالات أو حتى اختراق خدمات النقل والطاقة للتأثير على الحياة اليومية للمواطنين وأداء مؤسسات الدولة في مناطق النزاع. في هذا السياق، الأمن السيبراني يتحوّل إلى أداة سياسية واستراتيجية تُقاس فاعليته بمدى قدرة الدولة على مقاومة محاولات استغلال الفضاء الرقمي كوسيلة ضغط في أوقات التوتر والصراع.

التركيز على حماية أنظمة مثل كاميرات المرور، شبكات الاتصالات، أنظمة إدارة الطاقة والمياه، لا يجب أن يكون مجرد رد فعل تقني في الأردن. هذه الأنظمة هي جزء من البنية التحتية الحيوية التي إذا تعطلت في توقيتات حساسة، يمكن أن تُستغل سياسياً لتوليد خلافات داخلية، أو لإضعاف قدرة الدولة على التعامل مع المجتمع في بعض الأمور. لهذا يجب أن ترتبط السياسة الأمنية الرقمية بقدرة الدولة على فهم دوافع الجهات المعادية للأردن وسياقات تصرفاتها في البيئة الرقمية. فليس كل هجوم رقمي عابر حيث أن بعضه قد يكون مدفوعاً بأهداف استراتيجية مرتبطة بتقويض قدرة الأردن على لعب دور محوري في المنطقة، أو لتقليل قيمة موقعه السياسي.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل الأمن السيبراني عن السياسة الخارجية والأمنية للدولة. فالتهديدات الرقمية في ظل توتر إقليمي عميق هي جزء من منظومة تأثير أوسع تندمج فيها الاعتبارات الأمنية مع السياسية والاقتصادية. تحوّل الفضاء السيبراني إلى أداة تُستخدم في الضغط على الدول للقبول بشروط معينة، أو لإظهار نقاط ضعف يمكن استغلالها في المفاوضات الإقليمية. ومن هنا، يصبح الأمن السيبراني استراتيجية دفاعية متكاملة ترتبط بتحليل المخاطر، تقييم السيناريوهات، وربط التحولات التقنية بالمتغيرات الجيوسياسية.

ولذلك فإن السياسة الأمنية الرقمية لا يجب أن تكتفي بالاستجابة للهجمات بل يجب أن تتضمن آليات للاستشراف والتحليل الاستراتيجي لترجمة البيانات الرقمية إلى رؤى تفيد صانعي القرار في فهم ما وراء الهجوم ومن يقف وراءه وما الغاية السياسية منه وكيف يمكن تلافي التأثيرات الأكبر.

إدارة هذه السياسة تتطلب تعزيز القدرات الوطنية ليس فقط على المستوى الفني لكن على مستوى التحليل الاستراتيجي والتقييم السياقي للتهديدات. هذا يشمل فهم مناهج الخصوم في توظيف الأدوات الرقمية كأجزاء من استراتيجيات الضغط والتأثير، والتعرف على كيف يمكن لهذه الهجمات أن تتقاطع مع أزمات سياسية أو تغيّرات في التحالفات الإقليمية. إن بناء منظومة دفاعية رقمية قوية يعني ربطها بحس أمني سياسي عالي، بحيث لا يكون هناك فجوة بين ما يجري في الساحة الإقليمية وما يجري في بيئة الفضاء السيبراني الأردني.

الحفاظ على الاستقرار الوطني في هذا السياق يستدعي من الأردن أن يطور آليات لحماية ما هو حيوي من منظومات رقمية، وأن يربط ذلك بما يحدث على المسرح الإقليمي. الأمن السيبراني هو أداة لتعزيز الاستقلالية في إدارة الشأن الوطني، ومنع أي طرف من استخدام الثغرات الرقمية كوسيلة ضغط أو تأثير. في المجالات التي تشهد توتراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الدول التي تمتلك قدرة دفاع رقمي واستراتيجي قوي ستتمتع بميزة في مواجهة محاولات الضغط والتأثير الخارجي عبر المنصات الرقمية.

السياسة الأمنية الرقمية في الأردن يجب أن تكون منظومة متكاملة تربط بين التحليل السياسي، فهم دوافع الجهات المعادية، وقدرة الدولة على حماية منظومتها الحيوية من الاستغلال. هذا النهج يضمن صد الهجمات ويمنح الدولة قدرة على فهم وتحويل التهديدات إلى معرفة تمكنها من اتخاذ قرارات مدروسة في خضم صراعات إقليمية معقدة. الأمن السيبراني هنا ليس مجرد حماية أنظمة، بل هو رافعة للثبات السياسي والأمني في ظل تداخل الحرب المادية مع الحرب الرقمية بشكل غير مسبوق في الإقليم.

مدار الساعة ـ