مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الإِعْلَامُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ… بَيْنَ مِهْنِيَّةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَفَوْضَى الشَّائِعَاتِ فِي الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

الإِعْلَامُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ… بَيْنَ مِهْنِيَّةِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَفَوْضَى الشَّائِعَاتِ فِي الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

لَمْ يَكُنِ الإِعْلَامُ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ ظَاهِرَةً جَامِدَةً أَوْ أَدَاةً ثَابِتَةً، بَلْ هُوَ مِرْآةُ تَطَوُّرِ الإِنْسَانِ وَوَسَائِلِ تَوَاصُلِهِ مَعَ الْعَالَمِ. فَمُنْذُ أَنْ عَرَفَ الْبَشَرُ أُولَى طُرُقِ التَّعْبِيرِ مِنْ خِلَالِ الإِشَارَاتِ وَالرُّمُوزِ، مَرُورًا بِالْكِتَابَةِ وَالصَّحَافَةِ الْوَرَقِيَّةِ، ثُمَّ الإِذَاعَةِ وَالتِّلْفِزِيُونِ، وَصُولًا إِلَى عَالَمِ الإِنْتَرْنِتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ، وَالإِعْلَامُ يَخْضَعُ لِتَحَوُّلَاتٍ كُبْرَى رَافَقَتْ تَطَوُّرَ الْحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

غَيْرَ أَنَّ التَّطَوُّرَ الَّذِي شَهِدَهُ الإِعْلَامُ فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ كَانَ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ مِنْ قُدْرَةِ الدُّوَلِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ عَلَى مُوَاكَبَتِهِ أَوْ ضَبْطِ إِيقَاعِهِ. فَمَعَ ظُهُورِ الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ وَالأَقْمَارِ الصِّنَاعِيَّةِ وَشَبَكَةِ الإِنْتَرْنِتِ، أَصْبَحَ الْعَالَمُ قَرْيَةً مَفْتُوحَةً، وَأَصْبَحَتِ الْمَعْلُومَةُ تَنْتَقِلُ فِي ثَوَانٍ إِلَى أَقْصَى أَرْكَانِ الأَرْضِ، وَتَغَيَّرَتْ بِذَلِكَ قَوَاعِدُ اللُّعْبَةِ الإِعْلَامِيَّةِ بِشَكْلٍ جِذْرِيٍّ.

إِذَا كَانَتِ الإِذَاعَةُ وَالتِّلْفِزِيُونُ قَدْ شَكَّلَا فِي بَدَايَاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ—وَخَاصَّةً فِي ثَلَاثِينِيَّاتِ وَأَرْبَعِينِيَّاتِهِ—نَقْلَةً هَائِلَةً فِي تَارِيخِ الإِعْلَامِ، فَإِنَّ الإِعْلَامَ الرَّقْمِيَّ أَحْدَثَ تَحَوُّلًا أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ فِي بِنْيَةِ الْمَعْلُومَةِ وَطَرِيقَةِ تَدَاوُلِهَا.

فَلَمْ يَعُدِ الإِعْلَامُ حِكْرًا عَلَى الْمُؤَسَّسَاتِ الصَّحَفِيَّةِ وَالْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ كُلُّ فَرْدٍ يَمْتَلِكُ هَاتِفًا ذَكِيًّا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ نَاقِلًا لِلْخَبَرِ وَمُؤَثِّرًا فِي الرَّأْيِ الْعَامِّ. وَهُنَا تَغَيَّرَتِ الْمَعَادَلَةُ الإِعْلَامِيَّةُ؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانَ الْخَبَرُ يَمُرُّ بِمَرَاحِلِ التَّحَقُّقِ وَالتَّدْقِيقِ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ الصَّحَفِيَّةِ، أَصْبَحَ الْيَوْمَ يُنْشَرُ فِي لَحْظَاتٍ دُونَ تَدْقِيقٍ أَوْ تَمْحِيصٍ.

وَقَدْ دَفَعَ هَذَا التَّحَوُّلُ كَثِيرًا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ إِلَى مُرَاجَعَةِ تَشْرِيعَاتِهَا الإِعْلَامِيَّةِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِضَبْطِ هَذَا الْفَضَاءِ الْمَفْتُوحِ الَّذِي تَتَدَفَّقُ فِيهِ الْمَعْلُومَاتُ بِغَيْرِ حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ أَوْ زَمَنِيَّةٍ.

وَلَكِنَّ أَخْطَرَ مَا أَفْرَزَهُ هَذَا الْوَاقِعُ الْجَدِيدُ هُوَ صِنَاعَةُ الشَّائِعَةِ فِي الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ. فَقَدْ ظَهَرَتْ فِئَاتٌ تُعَرِّفُ نَفْسَهَا بِالنُّشَطَاءِ أَوِ الْمُغَرِّدِينَ، لَهُمْ جُمْهُورُهُمْ الَّذِي يُتَابِعُهُمْ وَيُصَدِّقُ مَا يَنْشُرُونَهُ، وَأَصْبَحَ بَعْضُهُمْ يُوَظِّفُ كُلَّ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ وَالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ لِتَسْوِيقِ صَفَحَاتِهِمْ وَزِيَادَةِ نِسَبِ الْمُتَابَعَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ الْحَقِيقَةِ.

وَفِي ظِلِّ الثَّوْرَةِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ الْهَائِلَةِ، تَلَاشَتْ حُدُودُ الزَّمَنِ وَالْمَكَانِ، فَأَصْبَحَتِ الْمَعْلُومَةُ تَنْتَشِرُ فِي كُلِّ الْعَالَمِ فِي لَحْظَاتٍ. وَهُوَ أَمْرٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ إِيجَابِيَّاتٍ كَبِيرَةً فِي تَبَادُلِ الْمَعْرِفَةِ وَتَوْسِيعِ مَسَاحَاتِ التَّعْبِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْمُقَابِلِ يَحْمِلُ خُطُورَةً بَالِغَةً عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ هَذِهِ الْمِنَصَّاتُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِنَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَتَضْلِيلِ الرَّأْيِ الْعَامِّ.

وَتَتَضَاعَفُ هَذِهِ الْخُطُورَةُ فِي أَزْمِنَةِ الْحُرُوبِ وَالأَزَمَاتِ. فَالْمِنْطِقَةُ الْيَوْمَ—وَخَاصَّةً فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ—تَعِيشُ حَالَةً مِنَ التَّوَتُّرِ وَالصِّرَاعِ تُسْتَخْدَمُ فِيهَا الصَّوَارِيخُ وَالطَّائِرَاتُ الْمُسَيَّرَةُ وَالْبَوَارِجُ وَحَامِلَاتُ الطَّائِرَاتِ، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ الْمَعْلُومَةَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ جُزْءًا مِنَ الصِّرَاعِ نَفْسِهِ.

فَبَعْضُ مَا يُنْشَرُ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ قَدْ يَكْشِفُ—دُونَ إِدْرَاكٍ—مَعْلُومَاتٍ حَسَّاسَةً، كَأَمَاكِنِ سُقُوطِ الصَّوَارِيخِ، أَوْ طَرَائِقِ التَّصَدِّي لِلْهَجَمَاتِ، أَوْ مَعْلُومَاتٍ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَخْزُونِ الاِسْتِرَاتِيجِيِّ مِنَ النَّفْطِ أَوِ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ قَدْ تَتَحَوَّلُ—عَنْ قَصْدٍ أَوْ دُونَ قَصْدٍ—إِلَى أَدَوَاتٍ تُسْتَخْدَمُ ضِدَّ الد

هُنَا تَبْرُزُ حَقِيقَةٌ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الْفَضَاءَ الرَّقْمِيَّ لَيْسَ فَضَاءً بِلَا ضَوَابِطَ أَوْ مَسْؤُولِيَّةٍ. فَكُلُّ مَنْ يَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الْمِنَصَّاتِ لِلنَّشْرِ يَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ أَوْ يَنْشُرُهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ بَالِغٌ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلْمُسَاءَلَةِ الْقَانُونِيَّةِ إِذَا تَجَاوَزَ الضَّوَابِطَ الَّتِي تَحْمِي أَمْنَ الدُّوَلِ وَاسْتِقْرَارَهَا.

فَعِنْدَمَا تُعْلِنُ الدَّوْلَةُ—فِي ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ—مَنْعَ التَّصْوِيرِ أَوِ النَّشْرِ فِي مَكَانٍ مَا، فَإِنَّهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَقْيِيدِ النَّاسِ، بَلْ لِحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ وَالْمُواطِنِينَ وَلِلْحِفَاظِ عَلَى سِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَأَمْنِهَا.

فَتَجَاوُزُ مَنْعِ النَّشْرِ أَوِ التَّصْوِيرِ فِي الظُّرُوفِ الْحَسَّاسَةِ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ إِدَارِيَّةٍ، بَلْ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسٍّ بِسِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَأَمْنِهَا، فَالإِعْلَامُ فِي كُلِّ دُوَلِ الْعَالَمِ جُزْءٌ مِنْ مَعْرَكَةِ الْوَعْيِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَيْفًا فِي مُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ، وَإِمَّا أَنْ يَتَحَوَّلَ—لَا قَدَّرَ اللَّهُ—إِلَى سَيْفٍ فِي خَاصِرَةِ الْوَطَنِ.

وَمِنْ هُنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ وَاضِحًا: حُرِّيَّةُ الرَّأْيِ وَالتَّعْبِيرِ شَيْءٌ، وَالْحِفَاظُ عَلَى أَمْنِ الدَّوْلَةِ وَسِيَادَتِهَا شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا. فَمِنْ حَقِّ الدُّوَلِ—بَلْ مِنْ وَاجِبِهَا—أَنْ تَضَعَ الضَّوَابِطَ الَّتِي تَمْنَعُ اِسْتِغْلَالَ الْفَضَاءِ الإِعْلَامِيِّ فِي الإِضْرَارِ بِالْمُجْتَمَعَاتِ أَوْ تَضْلِيلِهَا.

إِنَّ الإِعْلَامَ الرَّقْمِيَّ وَمَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ أَصْبَحَتْ حَقِيقَةً رَاسِخَةً فِي عَالَمِنَا الْمُعَاصِرِ، وَلَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا أَوْ تَجَاوُزُهَا. فَهِيَ أَدَوَاتٌ قَوِيَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تُسْهِمَ فِي نَشْرِ الْمَعْرِفَةِ وَتَعْزِيزِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الشُّعُوبِ، إِلَّا أَنَّهَا فِي الْمُقَابِلِ قَدْ تَتَحَوَّلُ—إِذَا أُسِيءَ اِسْتِخْدَامُهَا—إِلَى أَدَوَاتٍ لِنَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَإِثَارَةِ الْفَوْضَى وَتَضْلِيلِ الرَّأْيِ الْعَامِّ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ لَا تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الدُّوَلِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الإِعْلَامِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ تَقَعُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ يَحْمِلُ هَاتِفًا وَيَكْتُبُ كَلِمَةً أَوْ يَنْشُرُ خَبَرًا أَوْ صُورَةً.

فَالْوَطَنُ لَيْسَ مِيدَانًا لِتَجَارِبِ الشُّهْرَةِ الزَّائِفَةِ، وَلَا سَاحَةً لِتَسْوِيقِ الشَّائِعَاتِ، بَلْ هُوَ قِيمَةٌ كُبْرَى يَجِبُ أَنْ تَبْقَى فَوْقَ كُلِّ حِسَابٍ. وَفِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ تَتَضَاعَفُ الْمَسْؤُولِيَّةُ، لِأَنَّ كَلِمَةً غَيْرَ مَسْؤُولَةٍ قَدْ تُشْعِلُ فِتْنَةً، وَخَبَرًا مُفَبْرَكًا قَدْ يُهَدِّدُ أَمْنَ مُجْتَمَعٍ بِأَكْمَلِهِ.

وَمِنْ هُنَا تَبْقَى الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْوَعْيَ الإِعْلَامِيَّ وَالْمَسْؤُولِيَّةَ الْوَطَنِيَّةَ هُمَا خَطُّ الدِّفَاعِ الأَوَّلُ عَنِ الْوَطَنِ، لَا يَقِلَّانِ أَهَمِّيَّةً عَنْ أَيِّ خَطِّ دِفَاعٍ آخَرَ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ.

مدار الساعة ـ