تشهد المنطقة تصاعدًا في التوتر بين اسرائيل وايران ، وهو توتر يتجاوز حدود الاشتباكات العسكرية المباشرة أو الردود التكتيكية المحدودة ، فالمواجهة تمثل في جوهرها صراعًا استراتيجيًا أوسع يرتبط بإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط ورسم ملامح النظام الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.
في العلوم العسكرية والاستراتيجية نادرًا ما تُخاض الحروب دون أهداف بعيدة المدى ، فالمواجهات المسلحة غالبًا ما تكون جزءًا من مسار سياسي وعسكري متكامل يسعى إلى فرض واقع جديد في الإقليم ، سواء عبر تغيير موازين الردع أو إعادة ترتيب التحالفات ومراكز النفوذ.منذ قيام إسرائيل عام 1948 تبنّت عقيدة أمنية واضحة تقوم على منع ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنتها عسكريًا أو سياسيًا ، ولهذا السبب عملت على الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة ، مع السعي إلى إبقاء بيئتها الاستراتيجية في حالة ضعف أو تفكك نسبي ، بما يمنع من تشكّل قوى إقليمية منافسة.وفي هذا السياق لا يُفهم التصعيد مع إيران على أنه مرتبط فقط بملفها النووي ، بل في تقليص نفوذ إقليمي واسع بنتْه طهران خلال السنوات الماضية يمتد عبر شبكة من التحالفات والفاعلين السياسيين والعسكريين من إيران حتى شرق البحر المتوسط.وخلال العقود الماضية عملت إيران على تعزيز حضورها الإقليمي عبر منظومة من الشراكات السياسية والعسكرية ، ما منحها تأثيرًا ملموسًا في عدد من ساحات الشرق الأوسط ، وإضعاف هذه المنظومة قد يؤدي إلى تغيير في ميزان القوى الإقليمي ، ويمنح إسرائيل هامش تفوق عسكري واستراتيجي أكبر ، يجعلها الطرف الأكثر قدرة على فرض قواعد الاشتباك وإدارة الصراعات في المنطقة.ومع تطور طبيعة الصراعات الدولية ، لم تعد الهيمنة تعني بالضرورة السيطرة المباشرة على الأراضي أو الاحتلال العسكري التقليدي ، فالتفوق في الحروب الحديثة قد يتحقق عبر أدوات أخرى ، مثل التحكم في معادلات الردع ، والتأثير في القرارات السيادية للدول ، إضافة إلى بناء منظومات أمنية وتحالفات إقليمية تجعل العديد من الدول تعتمد على قوى عسكرية متفوقة في ضمان أمنها.كما قد تشمل أدوات هذا النهج إضعاف الدول المركزية ، واستنزاف الجيوش الإقليمية الكبرى في صراعات طويلة ، وإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في المنطقة بما يكرّس تفوق طرف واحد في المجالات العسكرية والتكنولوجية.لهذا يرى عدد من الباحثين في الشؤون الاستراتيجية أن التوتر بين إسرائيل وإيران لا يمكن فهمه بوصفه أزمة عابرة أو مواجهة منفصلة ، بل كجزء من مسار جيوسياسي أطول يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط ، وتحديد شكل النظام الإقليمي ، ومن يملك القدرة على التأثير في قراراته خلال السنوات القادمة.الجلاد يكتب: إسرائيل وإيران وصراع الهيمنة على الشرق الأوسط
مدار الساعة ـ