التكاثر العجيب لمعالي الخبراء وأصحاب الفهم الرفيع لا يحتاج إلى جامعة ولا إلى سنوات بحث، يكفي أن تقف خمس دقائق في أي ديوان أو مقهى حتى تُمنح لقب “خبير”. خبير اقتصاد يشرح لك كيف تُدار خزائن العالم وهو لم يدِر في حياته سوى فاتورة هاتفه، وخبير استراتيجيات يرسم خرائط الإقليم على طاولة الشاي وكأن البنتاغون ينتظر رأيه على أحرّ من الجمر، وخبير أمن يتحدث عن أسرار الدول بثقةٍ تُشعرك أن وكالة الاستخبارات ربما تستمع إليه لتتعلم. الغريب أن عدد الخبراء في البلاد صار يفوق عدد القضايا نفسها، حتى ليبدو الأردن وكأنه دولة صغيرة تحيط بها بحار من التحليل، بينما الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن كل خبير مقتنع تمامًا بأن المشكلة ليست في التحليل… بل في أن الدولة لم تستشِره بعد.
ومع مرور الوقت اتسعت هذه المدرسة العجيبة، فتكاثر "العباقرة" في كل شأن.. من المال إلى التربية والإدارة، وصولاً إلى تجلّيات ملف الطاقة. فبين رشفة قهوة ونفخة أرجيلة، يظهر لك فجأة جيل من مهندسي النفط والغاز، يحللون تعرفة الكهرباء وكأنهم هم من صاغوا قوانين الجذب العام، ويشرحون اجتماعات الغاز المغلقة بثقة من كان يوزع "المي والقهوة" في تلك الجلسات. هكذا تمضي الحكاية، كلما تعقدت الأزمات، تضاعف عدد الذين يملكون الإجابات النموذجية لكل كوارث الكون، حتى صار ضجيج الخَبَرَة أعلى من صوت الحقيقة.الزبيدي تكتب: اسحب خبراء على كربون
مدار الساعة ـ