تقوّض هذه الحرب بشكل كلّي أسس الأمن القومي العربي. قبل حرب إيران كانت منطقة بلاد الشام ومصر تواجه أصعب مراحل تاريخها. السابع من أكتوبر أطلق موجة من التحولات ضربت لبنان وسورية، ووضعت قضية الشعب الفلسطيني في مهب الريح. وفرضت على الأردن ومصر تحديات غير مسبوقة في المواجهة المفتوحة مع المشروع الصهيوني.
مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وجدت دول الخليج العربي، التي بقيت حتى وقت قريب الأكثر استقرارا، نفسها في مواجهة عاصفة جيوسياسية لم تشهد مثلها من قبل.الشرق الأوسط برمته صار مسرحا لحرب واسعة تناسلت جبهاتها بسرعة فائقة، انهارت معها قواعد الأمن والاستقرار والاقتصاد وبدأت خسائر ثقيلة تتراكم على كل الجبهات.من الناحية العملية، دول الخليج العربي اليوم، هي في حالة حرب شاملة، وإن لم تعلن حكوماتها المشاركة فيها، وتصر على ضبط إيقاعها ضمن حق الدفاع عن النفس في وجه الاعتداءات الإيرانية المتكررة يوميا، كما هو حال الأردن.لبنان الذي بدا وأنه يمضي على طريق الاستقرار قبل أسابيع، عاد إلى نقطة الصفر أو ربما نقطة اللاعودة، بعد قرار حزب الله دخول الحرب إلى جانب إيران. قدراته العسكرية المتواضعة لن تسعفه هذه المرة. وما تبقى من رصيد شحيح لوحدته الوطنية لن يكفي لاحتواء غضب اللبنانيين جراء هذا القرار المتهور. الحاضنة التقليدية للحزب لم تعد تحتمل هذا القدر من القتل والإذلال والتشريد.لبنان ومعه دول الخليج العربي ستواجه تحديات داخلية كبيرة، إذا ما استمرت الحرب أكثر. المسألة لا تخص الجانب الاقتصادي من الخسائر- على كارثيتها- بل السلم الأهلي في هذه البلدان التي تعاني أصلا من حساسيات طائفية مزمنة، من المرجح أن يرتفع منسوبها مع استمرار الحرب، وإصرار إيران على استهداف هذه الدول.في حربهما لتصفية الحساب مع إيران، حولت واشنطن وتل أبيب المنطقة العربية إلى ساحة صراع دام، تدفع فيه شعوب عربية الثمن من استقرارها وأمنها واقتصادها. وإذا ما تفاقمت المواجهة ولم تفلح إدارة ترامب في احتوائها ووقفها بأسرع وقت، ستشهد دول الخليج بشكل أساسي ومن بعدها دول عربية أخرى أوضاعا غير مسبوقة من الفوضى والصراعات الداخلية، والانهيار الاقتصادي الذي يصعب معه استدراك الحال في المستقبل.إن عالما واسعا من حول منطقتنا يهتز على وقع هذه الحرب، ويواجه أخطارا عظيمة جراء أزمة الطاقة والنشاط الاقتصادي وانتشار العنف الذي بدأ يصيب عواصم بعيدة.اجتماع وزراء الخارجية العرب "الافتراضي" خطوة جيدة، لكنها غير كافية. يتعين على قادة الدول الفاعلة في المنطقة، وكل من يرغب بالحضور من قادة العالم العربي، أن يتداعوا فورا لقمة فوق طارئة في مقر الجامعة العربية للوقوف على هذه الأزمة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أمن المنطقة ودولها. صحيح أن الحالة الأمنية قد لا تسمح بسهولة التنقل، لكن خطورة الأوضاع التي تمر فيها بلداننا أكبر من حسابات أمنية يمكن للدول تأمينها دون مخاطر عالية.إذا لم يتمكن القادة العرب من الاجتماع اليوم لوضع إستراتيجية الخروج من هذا المأزق وفرض مصالحهم فوق كل الاعتبارات فلن يملكوا القدرة على فعل ذلك بعد حين لأن الوقت سيفوتهم.لقد فشل النظام العربي الرسمي في فرض إرادته بعد السابع من أكتوبر، فكانت النتيجة أن استباحت إسرائيل المنطقة كلها. هذه المواجهة هي الجولة الأخيرة، إما أن يستعيد العرب زمام المبادرة أو ينتهي مستقبل الشرق الأوسط بيد إسرائيل.قمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ