تجري الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة هذا العام في لحظة دولية شديدة الحساسية، مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران وما يرافقها من انخراط عسكري وسياسي أمريكي متزايد. هذا التزامن جعل السياسة الخارجية، التي غالباً ما تكون قضية ثانوية في الانتخابات التمهيدية، تتحول إلى محور رئيسي في خطاب المرشحين داخل الحزبين الرئيسيين:
في المعسكر الجمهوري يتبنى عدد كبير من المرشحين خطاباً حازماً يدعو إلى تعزيز التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل ورفع مستوى الردع في مواجهة إيران. ويستند هذا الموقف إلى تقليد سياسي داخل الحزب يرى أن الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي. لذلك يطرح بعض المرشحين الجمهوريين ضرورة تشديد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران، معتبرين أن أي تراجع في هذا الملف قد يضعف صورة القوة الأمريكية على الساحة الدولية.أما داخل الحزب الديمقراطي فتبدو الصورة أكثر تنوعاً. فبينما يؤيد بعض المرشحين استمرار الدعم الأمني لإسرائيل، يعبّر آخرون عن قلق متزايد من الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تستنزف الموارد الأمريكية وتعيد تجربة الحروب الطويلة في الشرق الأوسط. ويعكس هذا التباين تحولات داخل القاعدة الديمقراطية التي أصبحت أكثر حساسية تجاه كلفة التدخلات العسكرية الخارجية وتداعياتها السياسية والاقتصادية.غير أن النقاش لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى بعد دستوري عميق يتعلق بسلطة إعلان الحرب. فوفق نصوص الدستور الأمريكي فإن سلطة إعلان الحرب تعود إلى الكونغرس، بينما يتولى الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة قيادة العمليات العسكرية وإدارة الحرب. وقد صُمم هذا التوزيع المقصود للسلطة العسكرية من قبل الآباء المؤسسين لمنع ترك قرار الحرب بيد شخص واحد أو هيئة واحدة.ومع ذلك، فإن الممارسة السياسية خلال العقود الأخيرة منحت الرؤساء الأمريكيين نفوذاً واسعاً في إطلاق العمليات العسكرية دون إعلان حرب رسمي، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً دستورياً قديماً حول حدود السلطة التنفيذية ودور الكونغرس في الرقابة على قرارات الحرب.في هذا السياق أصبحت الحرب الحالية مع إيران مادة مركزية في الحملات الانتخابية التمهيدية؛ إذ يستخدم بعض المرشحين، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي، هذه القضية للمطالبة بإعادة الاعتبار لدور الكونغرس في قرار الحرب، بينما يدافع مرشحون جمهوريون عن ضرورة منح الرئيس مرونة أكبر للتحرك السريع في مواجهة التهديدات الدولية.وهكذا تكشف الانتخابات التمهيدية الأمريكية أن الصراعات الدولية لا تبقى خارج حدود السياسة الداخلية، بل تتحول أحياناً إلى اختبار مزدوج: اختبار للسياسات الخارجية للدولة، واختبار في الوقت ذاته لمرونة التوازنات الدستورية التي تحكم قرار الحرب والسلم.الماضي يكتب : الحرب والانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة عندما يلتقي الصراع الخارجي بالجدل الدستوري
الدكتور مشعل الماضي
الجامعة الأردنية
الماضي يكتب : الحرب والانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة عندما يلتقي الصراع الخارجي بالجدل الدستوري
الدكتور مشعل الماضي
الجامعة الأردنية
الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ