أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: مسلسل 'صحاب الأرض' دراما الصمود


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: مسلسل 'صحاب الأرض' دراما الصمود

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

يأتي مسلسل صحاب الأرض بوصفه عملًا دراميًا يحمل نَفَسًا إنسانيًا عميقًا، يلامس الذاكرة والهوية والأرض في آنٍ واحد. ومنذ الحلقات الأولى يتبدّى للمشاهد أن العمل لا يكتفي بسرد حكاية عابرة، بل يسعى إلى بناء عالم درامي متكامل، تتقاطع فيه مصائر الشخصيات مع أسئلة الانتماء والكرامة والصمود. إنّه مسلسل يضع الإنسان في مواجهة أرضه وتاريخه، ويجعل من الحكاية اليومية مرآةً لوجعٍ أكبر وأملٍ أوسع.

يقوم البناء الدرامي في المسلسل على تصوير الحياة البسيطة لأناسٍ يرتبطون بأرضهم ارتباطًا عضويًا، حيث تصبح الأرض أكثر من مجرد مكان؛ إنّها الذاكرة والملجأ والهوية. ومن خلال هذا المنظور تتكشّف الأحداث في مسارٍ متصاعد، يجمع بين لحظات الأمل والانكسار، ويُبرز قوة الإنسان العادي حين يقف أمام التحديات الكبرى. لذلك يشعر المشاهد أنّه أمام عملٍ ينبض بالصدق، ويقترب من تفاصيل الحياة اليومية دون تكلّف أو مبالغة.

وسط هذا النسيج الدرامي المتماسك يبرز أداء النجم إياد نصار بوصفه أحد أهم عناصر قوة المسلسل. فمنذ ظهوره على الشاشة يلفت الانتباه بقدرته الكبيرة على تجسيد الشخصية بصدقٍ وإحساسٍ عالٍ. إنّ أداءه لا يقوم على الانفعال الظاهري فحسب، بل يعتمد على تعبيرٍ داخلي عميق يظهر في نبرة الصوت، وحركة العينين، وحتى في لحظات الصمت التي تبدو أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام. لقد استطاع أن يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا مؤثرًا، فبدت صراعاتها ومواقفها قريبة من وجدان المشاهد، وكأنها تعكس تجربة إنسانية أوسع تتجاوز حدود الشاشة.

وإلى جانب هذا الحضور اللافت، تتألق الفنانة منّة شلبي بدورٍ كبير ومحوري يضفي على المسلسل بعدًا إنسانيًا مؤثرًا. فقد قدّمت شخصية نابضة بالحياة، تجمع بين القوة والرهافة، وبين الصمود والألم الداخلي. استطاعت منّة شلبي أن تنقل ببراعة التحولات النفسية للشخصية، وأن تجعل حضورها جزءًا أساسيًا من مسار الأحداث، لا مجرد دورٍ مكمّل. فكل مشهد تظهر فيه يضيف طبقة جديدة من المعنى، ويعمّق فهم المشاهد للعلاقات الإنسانية التي ينسجها العمل بين أبطاله.

كما أنّ بقية الممثلين يشاركون في تشكيل هذا البناء الدرامي المتين، إذ يؤدي كلّ منهم دوره بوعيٍ فني واضح، فتتكامل الشخصيات وتتشابك مصائرها في نسيجٍ سردي متصاعد. وتظهر أهمية هذه الأدوار في قدرتها على دفع الأحداث إلى الأمام، حيث تتحول الشخصيات الثانوية أحيانًا إلى مفاتيح درامية تكشف جوانب جديدة من القصة وتزيد من توترها وتشويقها. هذا التنوع في الأداء يمنح المسلسل حيوية واضحة، ويجعل المشاهد يتفاعل مع العمل بوصفه حكاية جماعية لا بطولة فردية فقط.

ومن خلال هذا التفاعل بين الشخصيات، ينجح المسلسل في تصوير واقع الصراع بواقعية مؤثرة، فيكشف قسوة العدو المحتل وسلوكياته القمعية، مقابل صمود الناس العاديين وتمسكهم بالحياة والكرامة. غير أن العمل لا يكتفي بعرض الصراع في صورته المباشرة، بل يقدمه عبر مشاهد إنسانية مؤثرة تُبرز أثر الاحتلال في تفاصيل الحياة اليومية: في البيوت، والطرق، والوجوه المتعبة التي لا تزال تحتفظ ببصيص الأمل.

ومن اللافت أيضًا أنّ المسلسل ينجح في الجمع بين البعد الإنساني والبعد الوطني دون أن يقع في المباشرة أو الخطابية. فالقضايا الكبرى تُطرح من خلال تفاصيل الحياة اليومية: حكايات البيوت، والأحاديث البسيطة، والذكريات المرتبطة بالمكان. وهذا الأسلوب يمنح العمل صدقه الفني، ويجعله قريبًا من وجدان الجمهور.

إنّ صحاب الأرض ليس مجرد مسلسل يُشاهد للترفيه، بل تجربة درامية تحمل رسالة إنسانية عميقة. فهو يذكّرنا بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل حكاية متجذرة في الذاكرة، وأن الإنسان حين يدافع عن أرضه إنما يدافع عن ذاته وتاريخه ومستقبله.

وفي النهاية يمكن القول إن هذا العمل يثبت مرة أخرى قدرة الدراما العربية على تقديم أعمال ذات قيمة فنية وفكرية عالية، حين تتوفر لها الرؤية الصادقة والأداء المخلص. ويظل حضور إياد نصار وتألق منّة شلبي، إلى جانب الجهد الجماعي لبقية الممثلين، أحد أبرز عناصر قوة المسلسل، إذ نجح الجميع في تقديم عمل درامي يلامس القلب والعقل معًا، ويترك أثره في ذاكرة المشاهد طويلًا.

مدار الساعة ـ