لا يصعب تفسير المفارقة التي يعيشها العالم العربي اليوم؛ فالدول العربية التي تمتلك واحدا من أهم الأقاليم الجيوسياسية الشاسعة في العالم، وتتحكم بحصة كبيرة من احتياطيات الطاقة العالمية، إضافة إلى امتداد جغرافي واسع وكتلة بشرية ضخمة، يبدو حضورها السياسي في موازين القوى الدولية اليوم بلا وزن أو تأثير وأقل بكثير من مكانة دولة حقيقية.
عند النظر إلى تجارب الدول المؤثرة في المشهد العالمي، لا يظهر أن تفوقها يستند دائما إلى موارد طبيعية أكبر أو مساحات أوسع أو حتى كثافة سكانية أعلى. في حالات كثيرة نجد أن بعض هذه الدول تملك موارد أقل بكثير من ما تمتلكه دولة واحدة في العالم العربي، لكن تلك الدولة غير العربية استطاعت تحويل ما لديها إلى عناصر قوة فعلية عبر بناء مشاريع وطنية ومؤسسات مستقرة، وتطوير قدرات اقتصادية وتقنية، وصياغة مشروع سياسي واضح المعالم.جزء مهم من تفسير هذه المفارقة يعود إلى المسار التاريخي البائس الذي اتخذته المنطقة العربية منذ نهاية مرحلة الاستعمار في منتصف القرن العشرين. فقد تشكلت الدول العربية الحديثة تحت إطار "الدولة القُطرية"، بينما تراجع تدريجيا مشروع العمل العربي المشترك. وفي الوقت ذاته دخلت بعض الدول المؤثرة منها في دوامات متتالية من الانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية، الأمر الذي أضعف مؤسسات الدولة وأعاد توجيه مواردها نحو تحقيق الأمن الداخلي بالبطش بدل الاستثمار في بناء الإنسان.في منطقة الخليج العربي تحديدا، برز نموذج مختلف تمثل في الاعتماد على ترتيبات أمنية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وقد وفرت هذه الترتيبات مظلة أمنية مهمة، لكنها في الوقت نفسه أسست لعلاقة تقوم بدرجة كبيرة على استنزاف المشروع الوطني والقدرات الاقتصادية مقابل تحقيق الحماية الأمنية، من خلال صفقات التسلح الوهمية الواسعة والاتفاقيات الدفاعية طويلة الأمد.غير أن الأزمات والحروب تختبر دائما حدود هذه المعادلات؛ ففي ظل التوترات والصراع الدائر الذي ينذر بكل شيء في خريطة الشرق الأوسط اليوم، تجد الدول الخليجية نفسها في موقع المراقب المذهول أكثر منها طرفا فاعلا في رسم مسارات الأحداث. ويعكس ذلك فجوة فادحة بين الإمكانات المتاحة وسوء التخطيط على توظيفها سياسيا واستراتيجيا لمثل هذه اللحظة التاريخية الحادة.في المقابل، استطاعت إيران خلال العقود الماضية، أن ترسخ حضورها الإقليمي بوصفها لاعبا مؤثرا في توازنات الشرق الأوسط. وبرغم العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية التي واجهتها منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، عملت على بناء منظومة قدرات عسكرية وصناعية محلية، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية التي منحتها هامش حركة أوسع في سياساتها الخارجية. كما أن علاقاتها مع قوى مثل روسيا والصين تقوم على تقاطع المصالح لا على طلب الحماية المباشرة.والمفارقة أن عمر التجربة السياسية الإيرانية بعد الثورة لا يتجاوز كثيرا أعمار عدد من الدول العربية الحديثة، بل يقل عنها بعقود في بعض الحالات. ومع ذلك، تمكنت طهران من بلورة مشروع دولة يقوم على فكرة الاستقلال الكامل في القرار السياسي وبناء أدوات القوة الذاتية، في حين ظل جزء كبير من العالم العربي غارقا بإدارة تحدياته الداخلية وبترتيبات أمنية خارجية.لا يعني ذلك بالضرورة أن التجربة الإيرانية تمثل نموذجا يجب تبنيه بالكامل؛ لكن المقارنة تطرح سؤالاً جوهريا حول طبيعة العلاقة بين الموارد المتاحة وبين القدرة على تحويلها إلى نفوذ سياسي ومكانة محترمة؛ فالتاريخ يؤكد أن الثروة وحدها لا تكفي لبناء القوة، وأن الموقع الجغرافي المميز لا يتحول تلقائيا إلى تأثير استراتيجي ما لم يقترن بمشروع وطني ومؤسسات فاعلة ورؤية طويلة المدى.ربما تفرض التحولات العاصفة الجارية في النظام الدولي اليوم فرصة لإعادة التفكير في هذه المعادلة؛ فالدول التي تسعى إلى حضور مؤثر في عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة تحتاج إلى ما هو أكثر من الموارد الطبيعية؛ تحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قادر على تحويل الإمكانات إلى أدوات نفوذ حقيقية.وفي نهاية المطاف، تبقى حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: الأمن والسيادة أشياء لا يتم استيرادها من الخارج، بل يُبنيان اساساً على وضوح المشروع الوطني والإرادة الحقيقية لبناء الإنسان. هي أشياء لا تُشترى!القيسي يكتب: أعراب على رقعة الشطرنج
مدار الساعة ـ