أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البشتاوي يكتب: العقيدة الجنائية في الأردن.. وبدائل العقوبات السالبة للحرية


المحامي الدكتور يوسف البشتاوي

البشتاوي يكتب: العقيدة الجنائية في الأردن.. وبدائل العقوبات السالبة للحرية

مدار الساعة (الرأي) ـ

يُشكل قانون العقوبات الأردني المعدل لعام 2025 علامة فارقة في مسيرة التحديث التشريعي للمملكة، حيث انتقلت الفلسفة العقابية من التركيز التقليدي على "الردع العام والخاص" بمفهومه الضيق، إلى تبني نموذج "العدالة الإصلاحية" الذي يهدف إلى تقويم الجاني وإعادة دمجه في النسيج المجتمعي.

ويأتي هذا التحول الاستراتيجي استجابةً لضرورات التوفيق بين مقتضيات السيادة القانونية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مما يعكس نضج العقيدة الجنائية الأردنية وقدرتها على الموازنة بين حماية أمن المجتمع وضمان كرامة الأفراد، بعيداً عن حصر العقوبة في مفهوم سلب الحرية كخيار وحيد.

وفي هذا السياق، عمد المشرّع إلى مأسسة "بدائل العقوبات السالبة للحرية" كركيزة أساسية لتفريد العقوبة، مانحاً السلطة القضائية صلاحيات واسعة لاستبدال الحبس في الجنح والجنايات غير الخطرة بتدابير حديثة ، وتتجسد هذه البدائل في تفعيل الرقابة التقنية عبر "السوار الإلكتروني" كأداة عصرية للضبط القضائي، واعتماد نظام "الخدمة المجتمعية" الذي يحول المحكوم عليه من عبء استهلاكي داخل مراكز الإصلاح إلى عنصر منتج، فضلاً عن حماية مرتكبي الجرائم البسيطة من "الوصمة الاجتماعية" ومخاطر الاختلاط بالمجرمين الخطرين، وهو ما يحد من فرص العود الجرمي ويحافظ على السلم المجتمعي.

ولم تغفل التعديلات البعد الإنساني والاجتماعي في المعالجة المالية، حيث تم تكريس مبدأ "المرونة القضائية" في تحصيل الغرامات عبر إجازة تأجيل سدادها أو تقسيطها لمدد تصل إلى عامين. وهدف هذا التوجه التشريعي إلى منع تحول الالتزامات المالية إلى "إكراه بدني" يسلب الحرية نتيجة العجز المالي، مما يساهم بشكل مباشر في استقرار الأسر وحمايتها من التفكك نتيجة الظروف الاقتصادية الراهنة، مع الحفاظ على حق الدولة والخزينة العامة في تحصيل تلك المبالغ بآليات مرنة تراعي الواقع المعيشي للمحكوم عليه.

وعلى صعيد آخر، رسخت التعديلات مفهوم "العدالة التصالحية" من خلال إعطاء وزن قانوني جوهري للمصالحة وإسقاط الحق الشخصي، وهو نهج يؤدي إلى سرعة إنهاء الخصومات وتخفيف التكدس القضائي، مع التركيز على جبر الضرر وترميم العلاقات الاجتماعية المتصدعة ، ومع ذلك، فقد أوجد المشرّع توازناً صارماً بمنع الاستفادة من هذه البدائل في الجرائم النوعية التي تمس أمن الدولة، أو الجرائم المخلة بالثقة والوظيفة العامة، أو الاعتداءات الواقعة على العرض؛ لضمان عدم المساس بهيبة الدولة ومبادئ الردع العام في القضايا ذات الخطورة الإجرامية العالية.

ختاماً، فإن هذه المنظومة القانونية المتطورة تحقق عوائد استراتيجية تتجاوز البعد الجنائي لتشمل الجانبين الاقتصادي والدولي؛ فهي تخفض كلف تشغيل مراكز الإصلاح والتأهيل عبر معالجة مشكلة الاكتظاظ، وتعزز من مكانة المملكة في تقارير حقوق الإنسان العالمية.

إن قانون العقوبات لعام 2025 ليس مجرد تعديلات إجرائية، بل هو رؤية تشريعية شاملة تُعلي من شأن "الإصلاح" كغاية قصوى للقانون، بما يضمن بناء مجتمع آمن ومنتج يحترم كرامة الفرد ويصون سيادة الدولة في آن واحد.

مدار الساعة (الرأي) ـ