أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: في زمن العصف الإقليمي.. السماء الأردنية عصية على الانكسار


د. مصطفى التل

التل يكتب: في زمن العصف الإقليمي.. السماء الأردنية عصية على الانكسار

مدار الساعة ـ

في خضم عاصفة إقليمية تهتز لها الأرض وتتصدع الآفاق، ويختلط فيها الرماد بالدماء، وتتحول فيها السماء إلى ساحة مفتوحة للمسيرات والصواريخ، يبرز الأردن مرة أخرى كصخرة أمان في وسط بحر مضطرب.

كأن التاريخ يعيد نفسه، فيذكر العالم أجمع أن هذه البقعة الغالية من الأرض عصية على الانكسار، وأن من يحميها رجال صنعهم الوغى، وشربوا السيادة مع حليب أمهاتهم.

لم تكن الأسابيع الماضية مجرد اختبار عابر للقدرات العسكرية، بل كانت محطة فارقة في تاريخ الأردن الحديث، أعادت التأكيد على حقيقة وطنية راسخة لا تقبل الجدل: السيادة الأردنية خط أحمر، وحماية السماء واجب لا يقبل القسمة أو التهاون.

منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الصواريخ الباليستية تعبر الأجواء، والطائرات المسيّرة تحاول الاختراق، كانت العين الساهرة للجيش العربي على أهبة الاستعداد، تتابع، ترصد، وتحسم.

بين نيران تتهاوى من السماء، وحملات تضليل ممنهجة تستهدف النيل من الموقف الوطني، وضجيج إعلامي يحاول تشويه الصورة، تمكنت القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، بمساندة شعبية وأكاديمية ورسمية غير مسبوقة، من فرض معادلة واضحة كالشمس : (الأردن ليس ساحة حرب لأحد، ولن يكون )

الأردن الذي آمن دائماً بأن الحوار خيار استراتيجي، ها هو اليوم يثبت أنه حين تمس السيادة، يكون الردع هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.

يجمع الخبراء والمحللون العسكريون على أن ما تحقق من نجاح في اعتراض 187 هدفاً معادياً من أصل 204، بنسبة تجاوزت 91 بالمئة، لم يأت من فراغ، ولم يكن ضربة حظ أو صدفة عابرة. إنه ثمرة رؤية استراتيجية للقيادة الهاشمية، بعد الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، ممثلة بالقائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي آمن بأن الاستعداد المبكر هو نصف المعركة.

فعلى مدار سنوات، تبنى القائد الأعلى نهج التحديث العسكري الذكي، القائم على تطوير القدرات النوعية، وتحديث منظومات التسليح، وبناء عقيدة عسكرية صلبة تقوم على الجاهزية الدائمة وإدارة المخاطر الاستباقية , ولم يكن الهدف يوماً الدخول في حرب، بل أن تكون قادراً على ردعها قبل وقوعها.

في ميدان الرأي العام، حيث المعركة الأكثر شراسة ، يسجل الأردنيون بكل فخر موقفاً موحداً ومشرفاً : "إن حماية الأجواء الأردنية حق سيادي للمملكة لا يقبل النقاش".

بهذه الكلمات لخصت الفعاليات العشائرية والأكاديمية في المفرق والطفيلة وإربد وعموم المحافظات الموقف الأردني , فكانت العشائر الأردنية، تلك الحاضنة الشعبية الأصيلة، درعاً آخر إلى جانب جيشها، تعلن وقوفها صفاً واحداً خلف القيادة، وتجسد أسمى معاني الانتماء والولاء .

الأكاديميون بدورهم وضعوا النقاط على الحروف، مؤكدين أن ما تقوم به القوات المسلحة هو واجب وطني وسيادي، لا علاقة له بالانحياز لأي طرف، بل هو انحياز كامل للأردن أولاً.

يبقى السؤال الأهم: ما موقف الأردن من الصراع الدائر؟! الجواب يتجلى في كل البيانات والتصريحات، وفي كل موقف رسمي وشعبي : الأردن ليس طرفاً في الحرب، وهو يدعو بلا كلل للتهدئة وخفض التصعيد، ويعمل ليل نهار عبر القنوات الدبلوماسية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة, لقد ظل الأردن طوال تاريخه صوت العقل في محيط يموج بالعواطف، وسيبقى كذلك.

لكنه في الوقت ذاته، لن يسمح لأي طرف، مهما علا شأنه أو كثرت جيوشه، باستخدام أجوائه أو أراضيه منصة لانطلاق العدوان، أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

الأردن الذي لم يعتدِ على أحد، و لن يقبل أن يعتدي عليه أحد , الأردن الذي فتح قلبه قبل حدوده للأشقاء، لن يفتح سمائه لمن يريدون إشعال النار في المنطقة, خدمة لمشاريع غريبة .

الرسالة الأردنية إلى العالم، التي تخرج من عمّان هذه الأيام، هي رسالة واضحة ومباشرة : (سيادة الأردن فوق كل اعتبار، وأمن سمائه خط أحمر لا يمكن المساس به)

فكما كانت الأرض الأردنية محفوظة على مر التاريخ بإرادة أبنائها بعد إرادة الله تعالى، ستبقى السماء كذلك، محروسة بعيون الرجال، مرصودة بأجهزة الرادار، ومحمية بصواريخ الدفاع الجوي , بفرسان سماءها .

ستبقى السماء الأردنية عصية على الاختراق، ثقة بالله تعالى أولاً، ومن ثم بعزيمة قيادة هاشمية حملت الأمانة، ووعي شعب أدرك أن الوطن لا يحمله الجيش وحده، بل يحمله الجميع بتلاحمهم، وجاهزية قوات مسلحة أثبتت للعالم أجمع أنها من أفضل جيوش المنطقة كفاءة واحترافية.

حفظ الله الأردن.. قيادة، جيشاً، وشعباً.

وحفظ الله سماءه التي تظل دوماً شامخة، كشموخ مَن يحرسونها

مدار الساعة ـ