ربما لم يشهد الأردن، منذ 50 عاماً على الأقل ، حالة من "الفجور السياسي " الذي تمارسه بعض النخب ، كما يشهدها الآن ، صحيح ، الحرب التي اندلعت في المنطقة -وما تزال - كشفت المستور ، وأنعشت ذاكرة الأردنيين لاستدعاء الأزمات الكبرى التي مر بها بلدهم للاستفادة من دروسها ، ومواجهة الواقع بوعي يتناسب مع ما يزدحم فيه من مخاطر ، لكن الصحيح ، أيضاً، لدينا نخبة خرجت من تراكمات الماضي الذي لا نريد استذكاره واعتاشت عليه،ثم استشعرت الخطر الذي يهدد مصالحها وأجنداتها ، فلم تجد امامها سوى ممارسة "الفجور السياسي " لقمع كل صوت يطالب بالاستدارة إلى الداخل الأردني ، أقول الاستدارة وليس الانكفاء، من أجل عبور المرحلة وعدم تكرار مغامرات ، أُقحمنا فيها، ودفعنا ثمنها من حساب مصالحنا الوطنية.
مشكلة هذه النخبة أنها سقطت على بلدنا "بالبراشوت "في مرحلة تاريخية اختلطت فيها الأجندات، وغابت فيها ، أو غيبت ، النماذج الوطنية الحقة، كانت أبواب الأردن آنذاك مفتوحة أمام تيارات سياسية يدين معظمها بالولاء للخارج، ولا ترى الدولة إلا من ثقب المشاريع التي تحملها بالوكالة عن عواصم أخرى ، وجدت هذه النخب في سماحة الأردنيين ونظامهم السياسي فرصة للتمدد أحياناً، ثم المناكفة أحياناً أخرى، بعضها تسلل إلى المواقع العامة وأصبح ناشطاً ومحركاً فاعلاً في الصالونات السياسية .هؤلاء صدمتهم التحولات التي طرأت على وعي الأردنيين تجاه الدولة /دولتهم، والعكس صحيح أيضاً، الأردنيون اختاروا الأردن أولاً، ورفضوا أن يستخدم أي طرف بلدهم في الصراعات الدائرة ، الدولة أسست لهذا المنطق وسارت عليه، هنا التقت الإرادتان: إرادة الدولة وإرادة الأردنيين،هذا ما استفزّ رواد هذه الصالونات ،وحرك ضجيجهم، وأفقدهم توازنهم ،وصوابهم ايضاً.أعضاء نادي صالونات "الفجور السياسي " كانوا يراهنون على اقحام بلدنا في حروب وصراعات تخدم القضايا والمشروعات التي يحتكرون وكالاتها تبعاً لحسابات مصالحهم ومحاصصاتهم السياسية ،في لحظة ما تمكنوا من اختطاف الشارع تحت لافتة مواجهة الكيان الصهيوني ، وحين وضعت الحرب أو زارها في غزة ،وانكشفت الكارثة ، تحولوا إلى استغلال الحرب على إيران . في كل أزمة كانوا ينظرون إلى الأردن كمجرد رافعة لما يفكرون به ، ويخططون له، لم نسمع منهم أي موقف واضح اتجاه مصالحنا الأردنية العليا ، فهي لديهم غالبا ما ترتبط بأجندات خارج الحدود ، ترتيبها يأتي ثانياً أو ثالثاً، كلما ارتفع صوت أردني يدافع عن الأردن قفزوا لمهاجمته وفجروا بالإساءة إليه ،ثم تحركت منصاتهم الإعلامية للتخويف مما ينتظرنا إذا لم نصمت ، أو نسمع نصائحهم المغلفة بالشماتة.نعم ، بلدنا يمتاز بالسماحة ويؤمن بالتعددية ويحترم الاختلاف ، الأردنيون لا يغضبون من الذين يختلفون معهم في الرأي ، حين يكون الرأي وجهة نظر لا طعنة بظهر الوطن، لكن من حقهم أن يغضبوا من جحود البعض ونكرانهم، ومن إصرارهم على محاولة اختطاف بلدهم واعتباره هامشاً لحركتهم حول أفلاك إقليمية او اممية لا تضمر له خيراً. الأردنيون يؤمنون بأمتهم ولم يخذلوا قضاياها العادلة، دفعوا دمهم كرمى لعيون فلسطين ، وكانوا المبادرين لكل "وفاق عربي"، لكنهم الآن أمام واقع عربي مرير، عواصم مشغولة بمصالحها ، حروب ليس فيها استثناء لأحد ، والأخطر أمام فجور سياسي تمارسه نخب محسوبة عليهم، لا خيار أمامهم سوى الاستدارة للداخل ، من اجل حماية بلدهم والالتفاف حول قيادتهم وجيشهم، ولجم كل الأصوات التي تجاهر بالسوء ضد وجودهم ومستقبلهم .غضب الأردنيين مشروع حين يستعبط البعض في استغلال سماحتهم وطيبتهم، أو تفسيرها ضعفاً ، أو انحناءً لضجيج نخب صالونات الفجور السياسي التي تريد أن تمرر اجنداتها على حساب بلدهم.حالة من 'الفجور السياسي' تمارسه بعض النخب في الأردن
مدار الساعة ـ