في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، يستذكر الأردنيون والعرب واحدة من أبرع المحطات العسكرية في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني: معركة الكرامة, غالبًا ما تُروى هذه المعركة في الإعلام التقليدي كملحمة بطولية أو لحظة استعادة الثقة بعد نكسة 1967.
معركة الكرامة لم تكن مجرد ذكرى عابرة في سجل البطولات، بل كانت "نقطة تحول استراتيجي" أعادت تعريف قواعد اللعبة في الصراع مع المشروع الصهيوني. من خلال عدسة الاستراتيجية الإسلامية، نراها نموذجًا متكاملًا يجمع بين الاستعداد المادي، والتماسك الاجتماعي، والقيادة الحكيمة، والإدارة الواقعية للصراع.إنها درس خالد للأجيال القادمة بأن النصر لا يُمنح، بل يُستحق بتطبيق سنن الله في الكون "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" . كما أنها دليل على أن الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي، كان ولا يزال حصنًا منيعًا للأمة، وسورًا قويًا في وجه المشاريع التوسعية التي تهدد المقدسات والأمن القومي العربي والإسلامي.إعادة قراءتها اليوم، بعد أكثر من خمسة عقود تستدعي مقاربة أكثر تعمقًا، تعيد صياغتها ضمن مفاهيم الاستراتيجية الإسلامية في الحروب وباستخدام مصطلحات التحليل الجيوسياسي الحديث، مثل "حروب الجيل الرابع"، و"الردع المتناظر"، و"إدارة الصراع غير المتماثل".أولاً: العدو لا يُهزم بالتمني بل بالتمكين – مفهوم "الاستعداد"في الفكر الاستراتيجي الإسلامي، يمثل مبدأ الاستعداد – المستند إلى قوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ " حجر الزاوية في أي مواجهة. قبل معركة الكرامة، كان الجيش الأردني يعيش حالة من الإحباط عقب فقدان الضفة الغربية في حرب 1967, غير أن القيادة الأردنية آنذاك، بقيادة الملك الحسين بن طلال، أدركت أن استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" يعني تآكل الجبهة الشرقية وتشجيع العدو على فرض الأمر الواقع.من منظور إسلامي لا تُقرأ المعركة كرد فعل آني، بل كضرورة استراتيجية لـ "إعادة هندسة المعادلة " حيث شكلت المعركة رسالة واضحة تستند إلى قاعدة فقهية راسخة: ( إن لم تكن صادقًا في قتال عدوك، فلا تنتظر النصر) , لقد انتقل الجيش الأردني من موقع الدفاع السلبي إلى استراتيجية الردع بالاستنزاف، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة في حفظ الأمن القومي وردع المعتدي.ثانيًا: "حروب الجيل الرابع" قبل صياغة المصطلح بعقود .بالمصطلحات الحديثة، تندرج معركة الكرامة ضمن مفهوم "حروب الجيل الرابع" ، التي تستهدف تفكيك إرادة العدو نفسيًا ومعنويًا، وليس فقط تحقيق مكاسب ميدانية تقليدية.كان الجيش الإسرائيلي بعد حرب 1967، يظن أن تفوقه الجوي والمدرع يمنحه "هيمنة مطلقة" على ساحة المعركة , بيد أن المقاومة الأردنية – ممثلة في الجيش النظامي و اسناده للمتطوعين قبلها – قدمت نموذجًا فريدًا للـ "القتال غير المتماثل " فقد حوّلت القوات الأردنية وادي الأردن (الغور) إلى فخ مميت للدبابات الإسرائيلية، مستغلة الأرض لصالحها.وهذا في المنظور الاستراتيجي الإسلامي يتوافق مع ما يعرف بـ "المراوغة التكتيكية" و"الخداع الاستراتيجي" ، وهما مفهومان أصيلان في السيرة النبوية يندرجان تحت باب إدارة المعركة , حيث تم توظيف نقاط ضعف العدو (الاعتماد المفرط على المدرعات، والغطرسة الاستخباراتية الميدانية) لتحقيق نصر تكتيكي ذي أبعاد استراتيجية.ثالثًا: "إدارة الصراع" بدل "تصفية الصراع"من أكثر المصطلحات الحديثة انطباقًا على نتائج الكرامة مفهوم "إدارة الصراع" الاستراتيجية الإسلامية لا تدعو المجتمعات إلى خوض حروب وجودية دون حساب للنتائج، بل تقوم على مبدأ "الإنهاك التدريجي" . , ومن هنا يمكن إجمال نتائج المعركة الاستراتيجية في ثلاث نقاط رئيسة:1. تغيير قواعد الاشتباك: فرضت الكرامة على العدو الصهيوني قاعدة جديدة مفادها أن "الخط الأحمر" هو نهر الأردن، وأن أي تقدم شرقه سيكون مكلفًا بشكل لا يحتمل.2. بناء الردع الاستراتيجي: بالرغم من أن المعركة كانت محدودة في الزمان والمكان (يوم واحد)، فإن تداعياتها أعادت تشكيل الوعي الجمعي، محققة في المصطلح الإسلامي "الرعب في قلوب العدو" دون حاجة إلى حرب شاملة.3. تحقيق التوازن الردعي: أثبتت المعركة أن القوة الإرادية والتنظيم الميداني يمكن أن يعادلا التفوق المادي في سياقات عديدة .رابعًا: وحدة "الجبهة الداخلية" كمقوم أساسي للنصركثيرًا ما يغفل المحللون المعاصرون عن عنصر "التماسك الاجتماعي" بصفته عاملاً حاسماً في تحقيق النصر. مثلت معركة الكرامة ذروة التكامل بين الشعب والجيش والقيادة, ففي الاستراتيجية الإسلامية، تُعد "صلابة المجتمع " ركنًا أصيلًا من أركان القوة الوطنية، بل تتقدم على القوة المادية في كثير من الأحيان.لم تكن المعركة مجرد اشتباك عسكري، بل لحظة تحول في مفهوم "الأمة" كإطار جامع. خرج آلاف المتطوعين من المدنيين كامداد للقوات الأردنية ماديا ومعنويا ، محققين نموذجًا نادرًا في التاريخ العسكري الحديث لما يُعرف بـ "مقاومة الاحتواء" ، حيث فشل العدو في تمرير معادلة "الأردن هو الضفة الغربية" بالقوة.خامسًا: الدروس المستفادة في الاستراتيجيات المعاصرةبعد مرور أكثر من خمسين عامًا على المعركة، لا تزال معركة الكرامة نموذجًا حيًا يُدرس في كليات الحرب، ويمكن استخلاص أهم دروسها من منظور إسلامي معاصر في النقاط التالية:1. التوازن بين الروح المعنوية والمادة: أثبتت المعركة أن التفوق العددي والتكنولوجي وحده لا يكفي إذا ما قوبل بإيمان راسخ بالهدف, والإسلام يقرن بين "القوة المادية" و"القوة المعنوية" بوصفهما شرطًا للتمكين.2. القيادة في الميدان: مثلت قيادة الملك الحسين بن طلال للمعركة ، ووجود القادة على خطوط النار، تجسيدًا لمفهوم "القيادة الأبوية" في الفكر العسكري الإسلامي، حيث لا يكون القائد بمنأى عن المخاطر التي يواجهها جنوده.3. استعادة الثقة: في عالم السياسة، الثقة هي أثمن العملات , أعادت الكرامة الثقة للجيش العربي، وكسرت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، وهو ما يندرج تحت مفهوم "هندسة الردع" في العلاقات الدولية الإسلامية.رحم الله شهداء الكرامة، وأدام على الأردن نعمة الأمن والاستقرار والعزةالتل يكتب: معركة الكرامة: قراءة في استراتيجية 'الردع' و'إدارة الصراع' من منظور إسلامي
مدار الساعة ـ