لم يشهد التاريخ المعاصر أن روسيا الاتحادية العظمى قائدة توجه تعددية الأقطاب ، الذي يمثل شرق و جنوب العالم ، تدخلت سلبا في شأن الصراع القائم بين الولايات الأمريكية المتحدة العظمى قائدة احادية القطب ، و إسرائيل الباحثة عن العظمة ، ومصطلح الكبرى من جهة ، و بين إيران – الأمبراطورية المخترقة للعالم العربي المجاور ، وهلالها المكسور وسطهم من جهة أخرى ، بعد صعود نظام الشرع ،و رفض الأردن الرسمي له . وقبل الحربين العبثيتين على إيران من قبل التحالف الأمريكي – الإسرائيلي العام المضي 2025 ، و الحالي 2026 ، كانت روسيا المساند الحقيقي لبرنامج إيران النووي السلمي في منطقة بوشهر ، و في مناطق أخرى داخل إيران ، و بحجم مالي وصل إلى 15 مليار دولار و أكثر .
ومحاولة إيرانية عام 2007 لشراء منظومة صواريخ روسية من نوع ( أس 300 ) ، أحبطتها أمريكا ، و إسرائيل عبر مجلس الأمن بالعرض على إيران شراء صواريخ سام الأمريكية ،و للضغط على برنامجها النووي المشكوك به من قبلهما . ومنع إيران في المقابل ، تزويد روسيا بصواريخ مداها 300 كيلومتر لاستخدامها في الحرب الأوكرانية ، وهي معلومة تحت علامة استفهام كبيرة في ظل وجود قطب يتميز بالصناعات العسكرية المتطورة مثل روسيا العظمى.مثلما لم تتدخل روسيا معلوماتيا ،و عسكريا في الحرب على إيران الأولى عام 2025 ، ليس من مصلحتها التدخل المشابه في الحرب الجارية على إيران من قبل أمريكا و إسرائيل هذا العام 2026، و بالعكس دفاعيا من قبل إيران على إسرائيل ، و قصف القواعد العسكرية و السفارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط و أبعد . ففي الفترة الرئاسية الثانية لدونالد ترامب العام الحالي 2026 ، نجحت روسيا في الاقتراب من أمريكا ، و تقريبها منها عبر ترامب نفسه ، و مبعوثيه ( ستيف ويتكوف ، وجاليرد كوشنير) في موضوع الحرب الأوكرانية . و استمر التقارب شهورا و بنجاح ،و ليس معقولا ، ولا سليما المجازفة به من قبل روسيا من أجل إيران رغم ما يشاع عن تزويدها لروسيا بالمسيرات في حربها الدفاعية وسط الاراضي الروسية في أوكرانيا ، و رغم أنها محقة ، أي إيران ، في حربها الدفاعية عن سيادتها ، و التي ذهبت للتفاوض مع أمريكا بإسم إسرائيل في سلطنة عمان مرتان ، و كانت أمريكا و بالتعاون مع إسرائيل في كل مرة توجه ضربات عسكرية لإيران بالإرتكاز على اللوجستيا ، أي الاستخبار، و ليس على التفاوض المشروع . ولما أن إيران قبلت بالتفاوض النووي ، فإنها تعرف مسبقا بأمتلاكها حق التخصيب النووي لدرجة تتراوح بين 60 % إلى 90% ، و لأغراض سلمية ،وتعلن رفضها لامتلاك القنبلة النووية ذات الوقت ، و تحديدا من زاوية دينية ، أفصح عنها المرشد الأعلى المرحوم علي خامنئي في وقت سابق . .الخطورة التي تشكلها إيران على إسرائيل ليس في رغبتها في امتلاك قنبلة نووية مثلا ، في زمن تمتلك فيه إسرائيل ترسانة نووية توازي ما تمتلكه الدول الأوروبية منفردة . وفي وقت تمتلك فيه الهند ، و باكستان ، و كوريا الشمالية شرقا للسلاح النووي ، لكن الخطورة الإيرانية تكمن في توجهها الراديكالي الديني ،و في تخويف إسرائيل و أمريكا ، و أجهزتهما اللوجستية من شعارها الشعبي و السياسي الرسمي ( الموت لإسرائيل ، و الموت لأمريكا ) . و الخطورة على إيران من قبل إسرائيل مشابهة ، من طرف اليمين المتطرف ،ومن الاسناد الدولي لها ، وفي مقدمته من طرف أمريكا ، و الهند . و في نهاية المطاف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية عقائدية ( أيباك ، و تلموذية ، و شيعية – اثنا عشرية ) . و الغريب في أمر الحرب الإيرانية الجديدة ، هو بأنها خرجت عن طورها الدفاعي ، و هي التي نشرت هلالها الشيعي وسط العرب ، فنراها تخترق سيادات الدول العربية فقط لمجرد امتلاكهم لقواعد ، و سفارات أمريكية ، بينما هي إسرائيل أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط ، ولا يحتاج عنوانها للوكيشين . و الأغرب عندما تمتلك إيران سفارات لها في المقابل ، و علاقات دبلوماسية مع العرب ، و تقصف القواعد العسكرية الأمريكية ، أو ذات العلاقة بأمريكا ، ومراكز النفط وسطهم ، دونما اعتبار للميزان السيادي للعرب .ما يجري الان ، هو صراع بين حضارتين ، غربية – أمريكية و بالتعاون مع الكيان الإسرائيلي العدواني ، الاحتلالي ، الاستيطاني ، و بين حضارة الفرس التي لا تلتزم بحدودها الجغرافية كما إسرائيل . و الحضارة العربية أصبحت في الوسط و تحت النار، و النيران ، و بين نارين ، بسبب عزوفها عن الوحدة العربية المطلوبة ، لتشكيل قطب عربي واحد ناهض ، بعاصمة واحدة ، و جيش واحد يمتلك سلاحا غير تقليدي إسوة بإسرائيل ، و اقتصاد واحد ، و عملة واحدة ،و سياسة خارجية واحدة ، تماما أو تقريبا ، كما أراد ذلك شريف العرب ، و ملكهم ، الحسين بن علي طيب الله ثراه مفجر ثورة العرب الكبرى . ( كتاب الحركة العربية – سليمان الموسى . ص 694 / 695 ).ومثلما تطرح إسرائيل مشروع ( إسرائيل الكبرى ) السرابي ، أو الأصل أن يبقى هكذا ، فإن العرب مطالبون بالعمل وعلى نار هادئة لبناء فلسطين الكبرى في عمق الزمن القادم . و لا يوجد مستحيل في العمل السياسي ، و العسكري ، و اللوجستي ، و الاقتصادي الجاد . و ان أوان عدم الأكتفاء بعمل الجامعة العربية ،و الأبتعاد عن القطرية العربية ، وعن التحالفات العربية الاقتصادية الضيقة ، لصالح العمل القومي العربي ، و على كافة المستويات ، و نعم لاستثمار المال العربي ، و البترول العربي ، و الغاز العربي ، الوفير داخل البيت العربي فقط.زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله للخليج العربي مؤخرا ، و حديثا ، أعطت معنا كبيرا وسط نيران الحرب الدائرة عبر التراشق الصاروخي بين إسرائيل المعتدية ، و بإسناد أمريكي واضح لإسرائيل ، وبين إيران في حربها الدفاعية ، و المخترقة لسيدات الدول العربية ذات الوقت ، و التي هي سيادة واحدة . و عدم تدخل روسي ، أو صيني ، أو هندي ، وسط الدول العظمى على خارطة الأرض . و جلالة الملك ذهب ليؤازر العرب الأشقاء ، و ليتحدث بإسم الأردن القابض على الجمر ، و المرابط على أطول جبهة نار و سلام حذر مع إسرائيل ، و المانع للتهجير بصلابة ، و المنادي بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ، و الرافض للتطاول الإيراني على الأردن ، و على الخليج بذريعة تواجد القواعد و السفارات الأمريكية ، بينما سفارات إيران متواجدة وسط العرب ، و أذرعها للمقاومة منتشرة أيضا مثل ( حزب الله ، و الجهاد ، و حماس ، و الحوثيين ) . داعيا ذات الوقت لتوحيد الصف العربي ، و لضبط النفس . وفي المقابل ، و مع تعالي الاصوات الخليجية المنتقدة لأنتشار القواعد الأمريكية وسط العرب ، تبقى الدعوة مفتوحة للولايات المتحدة الأمريكية ، و لدول (الناتو) عموما ، لإعادة تموضع قواعدها خارج السياج العربي وسط البحار و المحيطات، لضمانة أمن العرب القومي ، القادرون على حمايتة دولهم من دونها ، و هو الأمر الذي ورد على لسان وزير خارجية المملكة العربية السعودية فيصل بن فرحان ال- سعود .رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين صرح قبل يومين أو ثلاثة ، بأن بلاده جاهزة لدور وسيطي بين أمريكا و إسرائيل من جهة ، و بين إيران من جهة أخرى . و المعروف ، هو بأن روسيا تقيم علاقات استراتيجية ، و خطوط ساخنة مع كافة الاطراف المتحاربة . و يبدو بأن الحرب على إيران بدأت تجنح ، و تنزلق من النووي العسكري تجاه الاعتداء على مصادر النفط في الخيلج ، في قطر ، و الكويت ، و في إيران في منطقة بارس جنوبها ،وهو المؤسف ، و يؤشر على أن الحرب بمجملها اقتصادية أيضا ، و على من يملك النفط و الغاز ، و على من لا يملكه بنفس الميزان. ووزير خارجية روسيا سيرجي لافروف أوضح ، بأن حرب إيران دفاعية ، و بأن من حقها التخصيب النووي ، وحتى امتلاك قنبلة نووية لحماية سيادتها من الاعتداءات الخارجية – الأمريكية ، الإسرائيلية ، المتكررة ، رغم العلاقة الاستراتيجية الروسية مع أمريكا ، و إسرائيل ، بالتوازن مع إيران . و الملاحظ ، هو بأن الدولة العميقة الاستخبارية في الولايات المتحدة الأمريكية ،و إسرائيل بمعنى الأجهزة الاستخبارية تبحث عن توريط روسيا في الحرب الدائرة عبر توجيه تهمة تزويد إيران بالمعلومات الاستخبارية الفضائية اللازمة لاصطياد البوارج الحربية الأمريكية ، و هو الأمر الذي نفاه الرئيس دونالد ترامب ، و نفته موسكو ، و أعلن بصدده دميتري ميدفيديف مساعد بوتين للأمن القومي ، بأنه أمر لا يستحق التعليق عليه حتى . و حادثة اعتداء إسرائيل مؤخرا ، وقبل فترة وجيزة على طاقم قناة ( أرتي ) الروسية في جنوب لبنان ليست عابرة ، و هي مقصودة حسب تصريح لماريا زاخاروفا الناطق الإعلامي بإسم الخارجية الروسية . ويربط بحر قزوين المغلق بين روسيا و إيران ، و تعتبر روسيا إيران منطقة جيوسياسية استراتيجية محاددة ، لا تسمح لأمريكا و الغرب بالسيطرة عليها من زاوية الحرب الباردة و سباق التسلح .وفي الختام هنا ، أتمنى أن تنتهي الحرب العدوانية من جانب أمريكا و إسرائيل على إيران ، و التي هي من دون أسباب حقيقية مقنعة ، و عبثية ذات الوقت . و على الجانب الإيراني في حربه الدفاعية ، و عن سيادته ، التوقف عن مهاجمة سيادات الدول العربية ، و التي هي سيادة واحدة ، و على مصادرهم للطاقة من نفط و غاز أيضا ، و التي هي سلة غذاء العرب . و نعم لسلام دائم ، خير من حرب مدمرة قد تتصاعد لتتحول لحرب أكبر ، أكثر تدميرا لا سمح الله . و للحديث بقية.العتوم يكتب: هل تساعد روسيا إيران في حربها؟
مدار الساعة ـ