أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرواشدة يكتب: الحل الجذري لشح المياه في الجزيرة العربية.. الاستفادة من تكثيف الرطوبة الجوية كنموذج مستدام dispenser


أنس الرواشدة

الرواشدة يكتب: الحل الجذري لشح المياه في الجزيرة العربية.. الاستفادة من تكثيف الرطوبة الجوية كنموذج مستدام dispenser

مدار الساعة ـ

تعد ندرة المياه التحدي الأبرز والأكثر إلحاحًا الذي يواجه دول الجزيرة العربية، وهي منطقة جغرافية تتميز بمناخها الصحراوي القاحل وارتفاع معدلات التبخر. لعقود طويلة، اعتمدت هذه الدول بشكل أساسي على حلول تقليدية مثل تحلية مياه البحر واستخراج المياه الجوفية غير المتجددة. ورغم فعالية هذه الحلول في تلبية الاحتياجات الحالية، إلا أنها تحمل أعباء بيئية واقتصادية كبيرة، سواء من حيث استهلاك الطاقة الهائل أو استنزاف الخزانات الجوفية. في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والضغط السكاني المتزايد، أصبح من الضروري تبني استراتيجيات مبتكرة توفر مصادر مياه مستدامة ومحلية. أحد هذه الحلول الواعدة، والذي يكتسب أهمية متزايدة، هو الاستفادة من الرطوبة الجوية الموجودة بكثرة في بعض مناطق الجزيرة العربية وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب عبر تقنيات التكثيف أو ما يعرف بالتوزيع المائي الجوي أو مولدات المياه الجوية (Atmospheric Water Generators).

على الرغم من أن الصحراء تُصوّر عادةً على أنها بيئة جافة تمامًا، إلا أن الواقع الجوي في العديد من المناطق الساحلية وشبه الساحلية للجزيرة العربية، خاصة في المناطق المطلة على الخليج العربي والبحر الأحمر، يشهد نسب رطوبة نسبية مرتفعة، لا سيما خلال مواسم معينة من العام أو خلال ساعات الليل. الرطوبة الجوية هي في الأساس بخار ماء عالق في الهواء، وعندما يتم تبريد هذا الهواء إلى ما دون نقطة الندى، يتكثف البخار ليتحول إلى قطرات ماء سائلة. هذه الظاهرة الطبيعية هي أساس عمل تقنيات استخلاص المياه الجوية. إن استغلال هذا المصدر المتاح باستمرار يمثل نقلة نوعية نحو الأمن المائي المستدام، لأنه يقلل الاعتماد على الطاقة الكبيرة التي تتطلبها محطات التحلية الضخمة.

التقنيات الحديثة في مجال توليد المياه الجوية (AWGs) قد تطورت بشكل كبير بعيدًا عن المفهوم البدائي لجمع الندى. النماذج الحديثة تعتمد إما على التبريد الميكانيكي المتقدم أو على مواد ماصة متقدمة (مثل مواد الامتصاص المعدنية العضوية MOFs) التي يمكنها سحب بخار الماء مباشرة من الهواء حتى في مستويات الرطوبة المنخفضة نسبيًا، ومن ثم إطلاق الماء النقي عبر تسخين طفيف. في سياق الجزيرة العربية، حيث قد تصل الرطوبة النسبية إلى مستويات عالية في المناطق الساحلية مثل جدة أو الدمام، يصبح التبريد الميكانيكي فعالاً للغاية. هذه الوحدات، التي قد تكون صغيرة بحجم موزع مياه منزلي (Dispenser) أو كبيرة بحجم منشآت صناعية، توفر مياهًا ذات جودة عالية، غالبًا ما تكون أنقى من المياه المعالجة، لأنها لا تتعرض للتلوث الموجود في مصادر المياه السطحية أو الجوفية.

إن تطبيق هذه التكنولوجيا كحل جذري يتطلب تجاوز تحديات عديدة. التحدي الأبرز هو كفاءة الطاقة، فعملية التبريد تستهلك طاقة. ومع ذلك، فإن الابتكارات الحديثة، لاسيما دمج هذه التقنيات مع مصادر الطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية، تجعلها قابلة للتطبيق اقتصاديًا في منطقة تتمتع بوفرة غير محدودة من ضوء الشمس. تخيل إنشاء مزارع طاقة شمسية مخصصة لتشغيل وحدات تكثيف عملاقة في المناطق الساحلية، مما ينتج مياهًا نقية بتكلفة تشغيلية منخفضة بعد الاستثمار الأولي. هذا النموذج يعزز اللامركزية في إنتاج المياه، مما يقلل من الحاجة إلى شبكات أنابيب ضخمة لنقل المياه من محطات التحلية الكبرى.

إضافة إلى ذلك، يجب النظر إلى الجوانب الجغرافية. المناطق الداخلية والجافة للغاية، مثل الربع الخالي، قد لا تستفيد بشكل كبير من هذه التقنية بسبب انخفاض الرطوبة النسبية فيها. لذا، يجب أن يُنظر إلى تكثيف الرطوبة كحل جذري مكمل وليس بديلًا وحيدًا. يمكن اعتماده بشكل مكثف في المدن الساحلية والمناطق الصناعية المجاورة للبحر، بينما تستمر الجهود في ترشيد استهلاك المياه الجوفية وتحسين كفاءة التحلية في المناطق الأبعد. دراسات حالة في دول مثل الهند والإمارات أظهرت أن الوحدات الصغيرة يمكن أن تخدم المجتمعات النائية أو المرافق الحيوية مثل المستشفيات والمخيمات العسكرية بكفاءة عالية، مما يضمن استمرارية العمليات حتى في حالات الطوارئ.

الاستدامة هي لب هذا التحول. على عكس تحلية المياه التي تزيد من ملوحة مياه البحر عبر تصريف المياه المالحة (Brine)، فإن عملية تكثيف البخار لا تخلف وراءها أي نفايات سائلة ضارة بالبيئة البحرية. هي عملية نظيفة بيئيًا، وتستخدم موردًا متجددًا لا يتأثر بالاستخراج المفرط وهو الرطوبة الجوية التي تتجدد دوريًا عبر دورة المياه الطبيعية. هذا يتماشى تمامًا مع الأهداف الوطنية لعام 2030 وخطط التنويع الاقتصادي التي تهدف إلى تقليل البصمة الكربونية والاعتماد على الموارد التقليدية.

في الختام، يمكن القول إن الحل الجذري لشح المياه في الجزيرة العربية يكمن في تنويع مصادر الإنتاج والتحول نحو الاستغلال الذكي للموارد المحلية المتاحة. تقنية تحويل بخار الماء في الهواء إلى سائل، خاصة عند دمجها مع الطاقة الشمسية، تقدم مسارًا مستدامًا وآمنًا لتوليد مياه شرب عالية الجودة، خصوصًا في المناطق الساحلية الرطبة. التحول يتطلب استثمارات كبيرة في البحث والتطوير وتطبيق النماذج الكبيرة إلى جانب النماذج المنزلية. تبني هذه التقنية لا يمثل مجرد إضافة كمية للمياه المتاحة، بل يمثل تغييرًا استراتيجيًا يضمن مرونة أكبر وأمنًا مائيًا طويل الأمد للمنطقة.

مدار الساعة ـ