أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الردع إلى الحرب متعددة الجبهات: السيناريوهات العسكرية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الصراع الأميركي-الإيراني

مدار الساعة,أخبار عربية ودولية,أسعار النفط,حزب الله
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - محمد الصمادي (معهد السياسة والمجتمع) -

تشكل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ أواخر شباط/فبراير 2026 نقطة تحوّل نوعية في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث انتقلت العلاقة بين الطرفين من نمط الردع غير المباشر والتنافس بالوكالة إلى حالة صراع مفتوح متعدد المستويات. كما أنها تشكل واحدًا من أخطر التحولات في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، تكمن خطورة هذه الحرب في طبيعتها المركبة التي تتداخل فيها الأدوات التقليدية وغير التقليدية، وتتقاطع فيها ساحات العمليات عبر الإقليم، بما يعيد تشكيل معادلات القوة والردع على نحو يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية. فضلًا عن ارتباطها الوثيق بأمن إسرائيل، والممرات البحرية، وأسواق الطاقة، واستقرار الدول الهشة في المشرق والخليج.

في هذا السياق، لا يمكن فهم مسار الحرب بوصفه دينامية تصعيدية (escalatory dynamic) تتأثر بتفاعلات معقدة بين القدرات العسكرية، والقيود السياسية، وسلوك الفاعلين الإقليميين والدوليين. وعليه، تهدف هذه الورقة إلى تحليل السيناريوهات العسكرية المحتملة للحرب، ليس فقط من حيث تطورها العملياتي، بل من حيث آثارها الاستراتيجية على بنية النظام الإقليمي، مع التركيز على كيفية تفاعل الردع، والتصعيد، وحروب الوكالة في إنتاج مسارات مختلفة للصراع.

تُعدّ العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران من أكثر العلاقات تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، حيث تتسم بالتوتر المستمر منذ الثورة الإيرانية عام 1979. بلغت هذه التوترات ذروتها مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، عقب فشل المفاوضات النووية والتصعيد العسكري المتبادل. جاءت هذه الحرب في سياق بيئة إقليمية مضطربة، تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، مما جعل آثارها تتجاوز حدود الطرفين لتشمل الشرق الأوسط والعالم بأسره.

قبل اندلاع الحرب، نفذت الولايات المتحدة أكبر حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ 2003، شمل قوات بحرية وجوية وأنظمة دفاعية متقدمة. هذا الحشد كان مؤشرًا واضحًا على اقتراب المواجهة. في 28 فبراير 2026، بدأت الحرب عبر ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية استهدفت القيادة الإيرانية والبنية العسكرية، ما أدى إلى تصعيد سريع وشامل.

أظهرت التطورات الميدانية منذ اندلاع الحرب أن مسرح العمليات لا ينحصر داخل الجغرافيا الإيرانية أو في نطاق الضربات الأميركية المباشرة، بل يمتد إلى شبكة واسعة من الساحات المتصلة، تشمل العراق، وسوريا، والخليج، والبحر الأحمر، ولبنان. وهذا ما يجعل هذه الحرب أقرب إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات منها إلى نزاع ثنائي تقليدي، حيث تتفاعل فيها الأدوات الجوية والصاروخية والبحرية والسيبرانية مع الأدوار التي تؤديها القوى الحليفة والوكلاء الإقليميون.

اعتمدت الولايات المتحدة في استراتيجيتها العسكرية على التفوق الجوي والتكنولوجي بتنفيذ ضربات دقيقة ضد القيادات الإيرانية من الصف الأول والثاني، البنية التحتية العسكرية، استهداف قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما تسعى إلى السيطرة على الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، لما له من أهمية استراتيجية في سوق الطاقة، بالإضافة الى محاولة الهيمنة والسيطرة والتحكم بالنفط والغاز الايراني.

اتبعت إيران استراتيجية التصعيد الواسع، والتي تقوم على الرد غير المتكافئ عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، استهداف البنى التحتية للغاز والنفط ومحطات الطاقة في الدول الخليجية وبعض المنشآت المدنية والمطارات، حيث أطلقت إيران على الدول العربية (5558) صاروخ ومسيرة خلال (32) يوم من القتال حسب بيانات رسمية من وكالة الاناضول. سعت ايران الى توسيع ساحة الحرب عبر الحلفاء الإقليميين، وقد هدفت هذه الاستراتيجية إلى استنزاف الدول العربية والخصم وفرض توازن ردع جديد. أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز، مما شكل اضطراب مؤثر في سوق الطاقة العالمية.

كما أنه لا يمكن قراءة السلوك العسكري لكل من الولايات المتحدة وإيران بمعزل عن منطق "إدارة التصعيد" (escalation management)، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أقصى قدر من التأثير العسكري دون تجاوز العتبة التي قد تؤدي إلى حرب شاملة غير قابلة للضبط. ففي حين تعتمد الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي والضربات الدقيقة لإضعاف القدرات الإيرانية، تحاول إيران تعويض الفجوة التقليدية عبر استراتيجيات غير متكافئة، تقوم على توسيع مسرح العمليات وتوزيع الضغط عبر جبهات متعددة.

ورغم التصعيد، يواجه كل من واشنطن وطهران قيودًا بنيوية تحدّ من خياراتهما. فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب الانخراط في حرب برية واسعة بسبب كلفتها السياسية والعسكرية، بينما تواجه إيران قيودًا اقتصادية وضغوطًا داخلية تجعلها غير قادرة على تحمل حرب مفتوحة طويلة الأمد. هذه القيود تعيد تشكيل التصعيد بحيث يصبح الصراع أقرب إلى "إدارة أزمة ممتدة" بدلًا من حرب تقليدية تهدف إلى الحسم.

وعليه، وبعد مرور 32 يومًا على الحرب بين الولايات المتحدة، إسرائيل وإيران يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للفترة القادمة، بناءً على أنماط التصعيد، قدرات الأطراف، وسلوك الفاعلين الإقليميين:

السيناريو الأول: التصعيد الإقليمي الشامل (High Escalation Scenario)

توسّع الحرب جغرافيًا لتشمل: جنوب لبنان، انخراط أوسع لـ حزب الله العراق باستهداف مكثف للقواعد الأمريكية، تصعيد عمليات الحوثيين في البحر الأحمر، دخول إسرائيل بثقل أكبر بضربات عميقة داخل إيران، واستمرار إيران بإغلاق أو تعطيل مضيق هرمز. هذا سيؤدي الى تعزيز مفهوم حرب متعددة الجبهات، ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد خطر، مع احتمالية انزلاق إلى مواجهة شبه عالمية (انخراط غير مباشر لروسيا/الصين).

السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة (Protracted Attrition War)

استمرار الضربات الجوية الأمريكية دون تدخل بري واسع مع احتمالية تنفيذ عمليات خاصة/ برية محدودة فيما يتعلق بالحصول على اليورانيوم المخصب بنسبة (60) % والمقدر بـ (440) كغم، مع عمليات ابرار برمائية على الساحل الإيراني او جزيرة خرج الإيرانية، مع حرص واشنطن على تجنب حرب برية شاملة. مع توسّع في الحرب جغرافيًا لتشمل لبنان، العراق واليمن. تعتمد إيران على الحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ والمسيرات والحرب بالوكالة عبر حلفائها لإبقاء الجبهات مشتعلة لكن مضبوطة، مما سيؤدي الى استنزاف تدريجي للطرفين، استنزاف اقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها، استنزاف عسكري/بشري لإيران، تآكل منظومات الدفاع الجوي في المنطقة، اضطراب دائم في الملاحة والطاقة، هذا السيناريو المركب الأكثر ترجيحًا حاليًا، لأنه يحقق لواشنطن احتواء دون غرق ولطهران صمود دون انهيار.

السيناريو الثالث: احتواء وتسوية مرحلية (Controlled De-escalation)

تتمثل ملامحه في وقف إطلاق نار غير معلن، تقليص الضربات المتبادلة تدريجيًا، عودة إلى قنوات تفاوض (عبر وسطاء مثل الباكستان، عُمان أو قطر). تعتبر المؤشرات الدافعة لهذا السيناريو الضغط الاقتصادي العالمي (أسواق الطاقة)، خشية أمريكية من توسع الحرب، رغبة إيرانية في الحفاظ على النظام وعدم الانزلاق لحرب مدمّرة، وهذا سيؤدي الى تثبيت توازن ردع جديد، بقاء التوتر لكن دون حرب مفتوحة، وإعادة طرح الملف النووي بشروط مختلفة، وبالتالي لا انتصار حاسم، ولا انهيار لأي طرف. هذا السيناريو غير مستبعد، خاصة إذا قررت إيران نقل المعركة إلى مستوى كسر التوازن بالكامل.

الحرب قد تؤدي إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة نتيجة تصاعد المعارضة الدولية وتوتر العلاقات مع الحلفاء. النصر في هذه الحرب لا يقاس بمقدار التدمير ولكن بإخضاع إرادة الخصم، من خلال القدرة على الاحتلال وادامة السيطرة على الأرض او اسقاط النظام الحالي واستبداله بنظام موالي للولايات المتحدة.

في ظل استمرار التصعيد، يبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق القوة إلى منطق التسوية، وهو ما سيحدد شكل النظام الإقليمي في السنوات القادمة. لكن العامل الحاسم يبقى هل تستطيع إيران فرض كلفة مستمرة على الولايات المتحدة دون تجاوز الخط الأحمر؟ وهل تستطيع واشنطن تحقيق ردع دون الانجرار إلى حرب برية؟


مدار الساعة ـ