أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نهج استباقي متكامل لإدارة المخاطر


سلامة الدرعاوي

نهج استباقي متكامل لإدارة المخاطر

مدار الساعة (الغد) ـ

لم يعد السؤال في الاقتصاد الأردني كيف نتعامل مع الصدمة، لكن متى وكيف نحتويها قبل أن تتوسع، فالمشهد الإقليمي الذي يتسم بتصاعد التوترات العسكرية، خاصة في الخليج العربي وممراته الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز أصبح متغيرا ضاغطا يعيد تشكيل كلف الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد بشكل مباشر.

لذلك، فإن الدراسة الاستشرافية الصادرة عن جمعية البنوك في الأردن بعنوان: "الاقتصاد الأردني تحت صدمة الطاقة: سيناريوهات التصعيد الإقليمي وتداعياتها على المالية العامة والقطاع المصرفي"، تفرض تسلسلاً تحليليًا مدعومًا بأرقام واضحة؛ فكل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يرفع فاتورة الطاقة بنحو 200 إلى 300 مليون دينار سنويًا، ويدفع التضخم للارتفاع بين 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية، ويضغط على النمو بحدود 0.2 إلى 0.3 نقطة. وهذه ليست مجرد انعكاسات، بل إشارات مبكرة على انتقال الصدمة عبر مفاصل الاقتصاد.

لكن هل تغيرت طبيعة هذه العلاقة؟ نعم، جزئيًا، فالاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء خفف من حدة الارتباط التقليدي مع النفط، لكنه خلق في المقابل نقطة جديدة، ففي حال تراجع أو انقطاع إمدادات الغاز، يضطر النظام إلى التحول نحو الوقود السائل الأعلى كلفة، مثل الديزل والوقود الثقيل، ما يرفع كلفة التوليد بشكل حاد ويخلق ما تصفه الدراسة بـ"الصدمة شبه المالية".

وهنا تتضخم خسائر شركة الكهرباء الوطنية، مع كلفة إضافية قد تصل إلى 5 ملايين دينار يوميًا، وهو رقم كفيل بإحداث ضغط مباشر على المالية العامة ورفع مستويات الدين.

السؤال الأهم: كيف تنتقل هذه الصدمة إلى الاقتصاد الكلي؟ الإجابة تكمن في تعدد القنوات وتشابكها، لأن ارتفاع كلف الطاقة والنقل ينعكس فورًا على التضخم، بينما يؤدي ارتفاع كلف الإنتاج إلى تراجع الطلب والنمو.

وفي الوقت ذاته، تتأثر مصادر الدخل الخارجي مثل السياحة والتحويلات مع تصاعد التوترات، ويتسع عجز الحساب الجاري نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع الإيرادات بالعملات الأجنبية.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع القناة النقدية العالمية، إذ إن ارتفاع أسعار النفط يدفع الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تشديد سياستها النقدية ورفع أسعار الفائدة. وبحكم ارتباط الدينار بالدولار، تنتقل هذه السياسة إلى الداخل، ما يعني ارتفاع كلف التمويل، تباطؤ الطلب على الائتمان، وزيادة الضغوط على المقترضين، وبالتالي ارتفاع المخاطر الائتمانية في القطاع المصرفي.

وهذا ما قامت به شركة الكهرباء الوطنية يقدم مثالًا عمليًا مباشرًا على كسر سلسلة انتقال الصدمة قبل تضخمها، فقد تم تحويل محطات التوليد للعمل على الوقود البديل وفق نموذج تشغيل مرن يراعي توافر المخزون وإمكانية إعادة التزويد، بالتوازي مع رفع مخزون الوقود البديل عبر طلب كميات إضافية من شركة مصفاة البترول الأردنية وتوجيهها للمحطات ذات الأولوية.

كما جرى التعاقد على استيراد نحو 35 ألف طن من الوقود الثقيل بنسبة 1 % من خلال شركة جوبترول، إلى جانب التنسيق مع شركة إيجاس لإدارة استهلاك الغاز المسال من الباخرة العائمة وجدولة الشحنات، والتعاقد المباشر على 3 شحنات غاز مسال.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل شمل التنسيق لاستيراد كميات إضافية من الوقود الثقيل عالي الكبريت بنسبة 3.5 %، وتأجيل الصيانة المبرمجة لوحدة التوليد رقم 2 في محطة الصخر الزيتي لضمان استمرارية الإنتاج.

وفي الأرقام، تم تزويد نحو 31 ألف طن من الوقود الثقيل و28 ألف طن من الديزل، وهي مؤشرات تعكس حجم التدخل وسرعته في تأمين استقرار النظام الكهربائي.

أمام هذا التسلسل، يبرز السؤال الحاسم: هل ننتظر أم نستبق؟ الدراسة تجيب بوضوح عبر الدعوة إلى نهج استباقي متكامل لإدارة المخاطر، يقوم على عدة محاور مترابطة: تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادرها لتقليل الانكشاف، وإدارة الأثر المالي لقطاع الكهرباء بكفاءة للحد من الخسائر، وتحسين أدوات السياسة المالية والنقدية لامتصاص الصدمات، ورفع جاهزية القطاع المصرفي عبر اختبارات الضغط وأنظمة الإنذار المبكر وإدارة مخاطر التركز القطاعي.

في المحصلة، يمتلك الاقتصاد الأردني قدرة مثبتة على الصمود، لكن الصمود وحده لا يكفي، لأن الخطر الحقيقي يكمن في طول أمد الصدمة، حيث تتحول من حالة مؤقتة إلى اختلال هيكلي.

وهنا تتجلى أهمية النهج الاستباقي كمسار إلزامي لتقليل كلف التكيف والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي في بيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيدًا.

مدار الساعة (الغد) ـ