أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العالم ينتظر.. والله يدبّر

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

تتسمّر أعين أهل الأرض، من شرق الكوكب الأزرق إلى غربه، تترقب دقات الساعة لتشير إلى الثامنة مساءً بتوقيت واشنطن. مشهدٌ مليء بالمفارقات؛ كل شعوب الأرض، باختلاف أعراقهم ولغاتهم، ينكبّون على شاشاتهم ومحركات البحث، يحسبون فوارق التوقيت حسب مواقعهم الجغرافية، ويضبطون ساعاتهم المحلية وحالتهم الشعورية على نبض تلك العاصمة البعيدة. حالة من التخوف، والوجل، والترقب الكوني حبست أنفاس العالم، كأن الكوكب بأسره يقف على حافة هاوية، أو ينظر إلى قاع سحيق، ينتظر خبراً، أو قراراً، أو حدثاً يظنون أنه سيقلب موازين حياتهم رأساً على عقب. ثم رأيتُ في هذه اللحظة كيف تتهاوى أوهام "الاستغناء والسيطرة" التي طالما تغنت بها الحضارة المادية، وكيف تحولت هذه البشرية الممتدة بكل تقنياتها إلى مجرد كائنات هشة، تتنازعها الهواجس، وتتقاذفها رياح الأخبار. وفي خضم هذا الهلع الأرضي، طاف بذهني معنى "الغيب"، هذا المعنى العظيم الذي يُرعب الإنسان البعيد عن الوحي بمجرد الاقتراب من أسواره، لأنه يكشف له بوضوح تام حقيقة ضعفه المتأصل، وعجزه المطلق عن إدراك خفايا اللحظة القادمة. نحن نترقب موعداً لحدثٍ من صنع البشر، ونقف أمامه صاغرين خائفين، نترقب المآلات بخفقان قلب، متناسين في غمرة هذا القلق الحقيقة القرآنية العظيمة التي تحسم الأمر: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: ٥٩]. يا لجهل هذا الإنسان، ويا لضعفه العميق! يظن أنه امتلك ناصية الأرض بشبكاته وأقماره الصناعية، ثم تراه يرتعد من قادم الأيام، يظن أن زمام التاريخ متروك لقرارات الغرف المغلقة، متغافلاً عن أن إرادة البشر، مهما تعاظمت واجتمعت، تتلاشى وتذوب أمام قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠]. غفل هذا الإنسان الهلع عن أن كل حدثٍ يرجف له قلبه خاضعٌ لميزان إلهي دقيق: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩]، وأن القدر المسطور في اللوح المحفوظ سيجري يقيناً وحتماً: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: ٣٨]. هذا المشهد المكتظ بالترقب الدنيوي ليدعونا، نحن أهل القبلة، للفرار إلى الملاذ الآمن، إلى اليقين المطلق بأن مقاليد الأمور محصورة بيد الخالق جل جلاله، وبعيدة كل البعد عن سائر عواصم الأرض المادية. كيف نرتجف ومآلات التاريخ بيده سبحانه؟ والمتأمل بقلب بصير يدرك أن قرارات الأرض كلها خاضعة بالكلية لله، فسبحانه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: ٥]. مهما حشدت البشرية من أسباب، ومكرت من مكر، فالمآل لقوله جل وعلا: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: ٥٤]، ومهما تعقدت الحسابات السياسية وتداخلت المصالح، فاليقين الذي يُبرِّد على القلب وينتزع منه كل خوف هو أن {أَلَيسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبدَهُ وَيُخَوِّفونَكَ بِالَّذينَ مِن دونِهِ وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ} [الزمر: ٣٦] وحريّ بالمؤمن في زحمة هذا القلق العالمي أن يُسند ظهره إلى ركن شديد، موقناً أن العالم مهما بدا على حافة الهاوية، فإنه يتحرك في مساحة مشيئته وحكمته البالغة، وأن الذي يخبئه القدر، حتى وإن بدا مرعباً في ظاهره وأرعبت تفاصيله سكان الكوكب، قد يحمل في طياته ألطافاً خفية ونهايات محمودة، مصداقاً لقوله الكريم: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: ٢١٦]. وتذكر {وَرَبُّكَ يَخلُقُ ما يَشاءُ وَيَختارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمّا يُشرِكونَ} [القصص: ٦٨].


مدار الساعة ـ