أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: فشرت انت وإيران


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: فشرت انت وإيران

مدار الساعة ـ

يفتتح المشهد بعبارة صادمة، حادة كحد السيف، (فشرت انت وايران)، جملة لم تكن انفعالاً عابراً، بل خلاصة وعي سياسي متراكم، وردّ مباشر على خطاب حاول أن يختبئ خلف ستار المقارنة المضللة بين دولتين لا يجمعهما سياق ولا تاريخ ولا طبيعة حكم؛ في ذلك اللقاء على شاشة قناة العربية، لم يكن الكلام مجرد سجال إعلامي، بل لحظة كشف، انزاحت فيها الأقنعة عن ذهنية ترى في الأزمات سلماً للصعود، وفي معاناة الشعوب مادة للمفاخرة.

المتحدث الفارسي، وهو يهمز ويلمز، حاول أن يرسم صورة ذهنية مفادها أن إيران، رغم الحروب والعقوبات، تقف في مرتبة أفضل من الأردن؛ تلك المقاربة لم تكن بريئة، بل تعكس خطاب رسمي دأب النظام في طهران على تسويقه، خطاب يتجاهل واقع الداخل الإيراني المثقل بالقمع، ويتغذى على تصدير الأزمات نحو الخارج؛ هنا جاء الرد من معالي سميح المعايطة، مباشراً، قاطعاً، بلا مواربة، (اذا تجيب سيرة الأردن بقل قيمتك على الهواء)، جملة أعادت ضبط إيقاع النقاش، ووضعت حداً لمحاولة الانزلاق نحو الإساءة.

واقع النظام الملالي في إيران لا يحتاج إلى كثير من التنقيب؛ تاريخ ممتد من القبضة الأمنية، من تصفية المعارضين، من تقييد الحريات، ومن تحويل الدولة إلى جهاز أيديولوجي مغلق؛ تقارير المنظمات الدولية تشير بوضوح إلى أن احتجاجات 2022 التي اندلعت بعد حادثة مهسا أميني قوبلت بالدم، حيث قُتل ما لا يقل عن 500 متظاهر، واعتُقل أكثر من 20 ألف شخص وفق تقديرات موثقة؛ الإعدامات لم تتوقف، بل تسارعت، إذ سجل عام 2023 وحده أكثر من 800 حالة إعدام، في واحدة من أعلى المعدلات عالمياً؛ هذه الأرقام لا تعكس مجرد سياسة أمنية، بل بنية حكم ترى في القمع وسيلة بقاء.

داخل السجون الإيرانية، تتكدس قصص المعتقلين الذين خرجوا يطالبون بحقوقهم، فكان مصيرهم الزنازين الانفرادية، والمحاكمات الصورية، وأحكام طويلة تمتد لسنوات؛ خلال الحرب الأخيرة وما رافقها من توترات داخلية، ازدادت وتيرة الاعتقالات، واستُخدمت تهم فضفاضة مثل تهديد الأمن القومي لإسكات أي صوت معارض، وبلغت أعداد الذين تم اعدامهم أكثر من 3000 ايراني؛ حيث تحول المواطن إلى متهم دائم، وتحول النظام إلى مساحة خوف دائم.

في المقابل، يقف النموذج الأردني مختلف في جوهره؛ النظام الهاشمي، الذي يستمد شرعيته من تاريخ طويل ومن علاقة عضوية مع شعبه، لم يُبنَ على القسر بل على التوازن؛ حضور الدولة في الأردن لا يتجسد في قبضة أمنية مطلقة، بل في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقرار والانفتاح النسبي؛ صورة القيادة الهاشمية في الوعي العربي والعالمي ترتبط بالاعتدال، بالقدرة على مد الجسور، وبالاستجابة الإنسانية للأزمات؛ لم يكن الدور الأردني يوماً تصدير الفوضى، بل احتواء آثارها، من استقبال اللاجئين إلى إرسال المساعدات، إلى الوقوف مع شعوب أنهكتها صراعات ساهمت سياسات طهران في إشعالها وتشهد غزة وسوريا ولبنان على ذلك.

الواقعة التي جرت على الهواء لم تكن مجرد لحظة توتر إعلامي، بل تعبير عن صراع سرديات؛ المتحدث الفارسي المستعرب حاول أن يمرر إهانة مغلفة، لكن الرد الأردني جاء كاشفاً، جريئاً، أعاد الأمور إلى نصابها؛ المعايطة لم يدافع فقط عن دولة، بل عن فكرة، عن كرامة وطن، عن حدود لا يمكن تجاوزها تحت أي ذريعة.

غيرة الأردنيين على وطنهم ليست شعاراً عاطفياً، بل سلوك يومي، يتجلى في الدفاع عن صورتهم، في الالتفاف حول قيادتهم، وفي رفض أي محاولة للنيل من استقرارهم؛ تلك الغيرة هي التي جعلت من جملة قصيرة حدث واسع الصدى، لأنها لامست شعوراً جمعياً بأن الأردن ليس موضوع مقارنة عابرة، بل وطن عظيم له خصوصيته، وتاريخه، وكرامته التي لا تُساوَم.

مدار الساعة ـ