أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن بين تضخم عالمي يفرض إيقاعه ومجتمعات تبحث عن توازن


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

الأردن بين تضخم عالمي يفرض إيقاعه ومجتمعات تبحث عن توازن

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لم يعد ارتفاع الأسعار في الأردن احتمالًا يُناقش في غرف التحليل، بل واقعًا يتشكّل بهدوء ويتقدّم بثبات، مدفوعًا بعوامل تتجاوز الجغرافيا الوطنية وحدود القرار المحلي. فالعالم الذي خرج مُثقلًا من جائحة كورونا، لم يدخل طور التعافي بقدر ما انزلق إلى مرحلة جديدة من الاضطراب المركّب؛ حيث تداخلت أزمات الطاقة مع اختناقات سلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف الشحن، وتحوّلت التجارة العالمية من نظام مستقر إلى شبكة هشّة تتأثر مع كل توتر جيوسياسي، في شرق اوروبا وشرق المتوسط، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب. وفي قلب هذا المشهد، يجد الأردن نفسه أمام تضخم لا يصنعه، لكنه يتحمّل كلفته كاملة.

هذا التضخم ليس محليًا، بل مستورد في جوهره، يتسلل عبر أسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق، وارتفاع كلفة النقل، ومرتبط بسلاسل الامداد، وقرارات الدول المصدّرة. ومع كل ارتفاع عالمي، حتى، ولو بدا محدودًا، تتحرك داخليًا سلسلة مترابطة من الزيادات، تبدأ بالكهرباء والنقل، وتمر بالإنتاج، وتنتهي عند المستهلك. وهنا تظهر هشاشة الاقتصادات عالية الانكشاف، حيث يعمل الاقتصاد الأردني كمرآة تعكس الصدمات الخارجية بصورة مضاعفة.

غير أن خطورة المشهد لا تكمن في مصدر التضخم، بل في البيئة التي يستقر فيها. فالمجتمع الأردني يواجه هذه الموجة من الداخل ببنية اقتصادية مُرهقة، اعتماد مرتفع على الاستيراد، وقاعدة إنتاجية محدودة، واختلالات في سوق العمل، وطبقة وسطى تتآكل بوتيرة متسارعة. في هذا السياق، لا يعود التضخم رقمًا اقتصاديًا، بل يتحول إلى قوة صامتة تعيد تشكيل التوازنات الاجتماعية، حيث تضيق الهوامش، وتتراجع القدرة الشرائية، وتقترب شرائح أوسع من حافة العجز.

من هنا، يتبدل السؤال من، هل سترتفع الأسعار؟ إلى كيف ستُدار، وبأي كلفة اجتماعية؟. فالمؤشرات العالمية تشير إلى موجة تضخمية مستمرة، مدفوعة بالاظطرابات العالمية في جغرافيا مصادر الطاقة، وارتفاع أسعارها بنسب قد تتجاوز (15–30 %) أحياناً، وتكاليف الشحن (قد تتجاوز 40 %)، واضطرابات الإمداد. وبناءً على ذلك، فالمؤشرات تشير الى انه يمكن توقع ارتفاعات إضافية في الأردن غير مسبوقة في عدة قطاعات، وبنسب متفاوتة.

لكن الأثر الحقيقي لا يُقاس بهذه النسب، بل بتراكمها. فالمواطن لا يعيش تضخمًا سنويًا، بل يواجه سلسلة من الارتفاعات اليومية التي تُعيد تشكيل نمط حياته، وتُضعف قدرته على التخطيط، وتزيد من نسبة القلق. وهنا يتحول التضخم من ظاهرة اقتصادية إلى حالة نفسية واجتماعية عميقة.

التجارب الدولية تقدم درسًا حاسمًا، لم تنجح أي دولة في منع التضخم، لكنها نجحت، أو فشلت، في إدارة أثره. ففي أوروبا، لم تُترك الأسواق وحدها بعد أزمة 2022، والتي ما زالت مستمرة، بل تم التدخل عبر حزم واسعة (اكثر من 60 تدخلاً مالياً) من الدعم والضبط. وفي ماليزيا، رُفعت أسعار الوقود بنسب كبيرة تجاوزت في بعض الحالات 50 %، لكن ذلك ترافق مع إعادة هيكلة الدعم، والانتقال من الدعم الشامل إلى دعم موجّه، ما ساعد في احتواء الأثر الاجتماعي والحفاظ على معدلات تضخم مقبولة. أما في البرازيل، فقد أثبتت تجربة الخطة الوطنية الهجينة، أن احتواء التضخم يتطلب مزيجًا متكاملاً ومتوازنًا من الانضباط المالي، والإصلاحات الهيكلية، والاستقرار النقدي.

الدرس الأهم من كل ذلك واضح، السياسة الاقتصادية الناجحة، ليست تلك التي تمنع التضخم، بل تلك التي تمنع تحوّله إلى أزمة اجتماعية.

ومن هنا، يتجه الفكر الاقتصادي الحديث إلى تجاوز الدعم العشوائي نحو الحماية الذكية، القائمة على الاستهداف الدقيق والتحويلات المباشرة. لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الغلاء، بل في سوء إدارته، عبر رفع دون تعويض، أو دعم بلا أثر، أو غموض يقتل الثقة.

في الحالة الأردنية، فالدولة، بقيادة الملك عبدالله الثاني، تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي وحماية المجتمع، والملك استشرف المستقبل مبكراً، فوجهه بتعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الطاقة، وغيرها من الإجراءات. غير أن الفجوة لا تزال قائمة بين وضوح الرؤية وتعقيد التنفيذ، حيث تصطدم السياسات أحيانًا ببطء الإجراءات أو محدودية الأدوات، مما يزداد التحدي تعقيدًا.

وهنا يصبح دور الحكومة محوريًا، ليس فقط في إدارة الأسعار، بل في إدارة الثقة. فرفع الأسعار، يجب أن يقابله نظام حماية حقيقي، وخطاب واضح، ورقابة فعالة. فالأسواق في الأزمات لا تُترك، بل تُدار.

غير أن إدارة الأرقام وحدها لا تكفي، فإدارة الوعي لا تقل أهمية. فالمجتمعات قد تتحمل الضغوط، لكنها لا تتحمل الغموض أو التناقض. ولذلك، فإن وضوح البيانات (لا تناقضها في الأرقام، كما سبق وأن شهدنا في أكثر من ملف، مثل تكلفة الناقل الوطني، وانتاج النفط من حقل حمزة، وإنتاج الغاز من الريشة، وإيرادات قطاع التعدين (باستثناء البوتاس والفوسفات)، وفي قطاع التعليم، وغيرها)، واتساق الرواية الاقتصادية، والشفافية في الملفات الكبرى، ليست ترفًا، بل شرطًا للاستقرار. لأن أخطر ما في التضخم ليس ارتفاع الأسعار، بل تآكل الثقة.

في عمق المشهد، لا يبدو التضخم مجرد أزمة اقتصادية، بل تعبيرًا عن تحولات جيوسياسية أعمق، حيث أصبحت الطاقة أداة نفوذ، وسلاسل الإمداد ساحات صراع، والتجارة امتدادًا لموازين القوة. وهذا يعني أن ما يواجهه الأردن ليس موجة عابرة، بل نمطًا جديدًا من التضخم المركّب، الذي يعيشه العالم اليوم، والذي يجمع بين الكلفة وعدم اليقين.

في ظل هذا الواقع، يصبح التحدي الحقيقي هو إعادة تعريف الأمن الاقتصادي، ليشمل الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، والثقة بين الحكومة والمجتمع، لا مجرد استقرار مالي رقمي فقط. كما تفرض المرحلة إعادة صياغة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، ضمن عقد يقوم على عدالة توزيع الأعباء ووضوح التوقعات، ومصداقيتها.

في المحصلة، لا يقف الأردن أمام خيار اقتصادي تقني، بل أمام اختبار إستراتيجي، ليس بين رفع الأسعار وعدم رفعها، بل بين إدارتها كإجراء مالي تقليدي، أو كملف يمس تماسك المجتمع. الفارق بين المسارين ليس في الأرقام، بل في النتيجة، مجتمع يصمد، أو مجتمع يُستنزف.

وهنا، يجب أن لا نكرر تجارب بعض الدول، التي اعتادت قياس نجاحها بمعدلات النمو والاستقرار النقدي، لكن المرحلة الراهنة تفرض معيارًا أكثر عمقًا، وهو قدرة الدولة على حماية المجتمع، لا مجرد إدارتها بالأرقام.

اليوم، والعالم يشهد إعادة تشكيل بوتيرة متسارعة، والمنطقة تمر في مرحلة مخاض لإعادة الهيكلة، قد تستمر لعقد من الزمن، فالاتجاه نحو تضخم مزمن واضطراب مستمر، أصبح حقيقة، والنجاح هنا، ليس لمن يمنع الغلاء، فهذا لم يعد ممكنًا، بل لمن يستطيع تمريره دون أن يكسر توازن مجتمعه.

في النهاية، قد يكون الغلاء القادم قدرًا اقتصاديًا، لكنه ليس قدرًا اجتماعيًا حتميًا. فالفارق لا تصنعه الأسواق، ولا تحدده الأرقام، بل أثرها على الناس. والسؤال الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم، ليس كم سترتفع الأسعار؟ بل، إلى أي حد يمكن للمجتمع أن يتحمل هذا الارتفاع دون أن يتحول القلق إلى شعور عام، وتتآكل الثقة بصمت، وتصبح الكلفة أعمق من أن تُقاس، عندها فقط، لا يعود التحدي اقتصاديًا. فالأزمات الاقتصادية، مهما اشتدت، تبقى قابلة للإدارة.

الأردنيون يثقون بقيادتهم الهاشمية، التي استطاعت عبر التاريخ قيادة قاربهم، في إقليم، تحت الضغط، وتعصف به الاضطرابات من كل جانب، بمنتهى الحكمة والذكاء، للوصول بهم إلى بر الأمان، ليبقى الوطن قوياً شامخاً، ونموذجاً للاستقرار.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ