أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شطناوي يكتب: يومٌ للعلم.. يومٌ للوطن

مدار الساعة,مناسبات أردنية,الحسين بن طلال,الملك عبدالله الثاني بن الحسين,الحسين بن عبدالله الثاني
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب أ.د. نورس شطناوي -

في هذا اليوم، لا يقف الأردني أمام الراية كما يقف أمام مشهدٍ عابر، بل كمن يقف أمام ذاته، يراها أوضح مما اعتاد، وأقرب مما ظنّ، كأن الوطن في تلك اللحظة يُستعاد من الداخل، من أعماقٍ ظلّت تحفظه بصمتٍ طويل. هنا، حيث ترتفع الراية، لا ترتفع وحدها، بل يرتفع معها شيء خفي في الإنسان، شيء يشبه الاعتراف الصادق بأنه لم يكن يوماً منفصلاً عن هذه الأرض، بل كان امتداداً لها.

وحين تلامس الألوان فضاء المدن الأردنية وقراها، لا تبدو ألواناً تُرى، بل معاني تُحسّ؛ كأنها خيوط نورٍ تنسج بين الأردني ووطنه علاقةً أعمق من القول، علاقةً لا تُكتب في الدفاتر، بل تُحفر في الضمير. في تلك اللحظة، يتبدّل معنى الزمن؛ فلا يعود اليوم يوماً يُضاف إلى التقويم، بل يصبح مرآةً تُعاد فيها قراءة العمر.

وفي هذا اليوم، يتجلّى معنى الراية في صورٍ شتّى؛ تتجلّى في وجوهٍ ساهرة لا تنام، وفي قلوبٍ تعرف أن الوطن أمانة لا تُفرّط. تتجلّى في قواتنا المسلحة، حيث يقف الجندي كأنه الحد الفاصل بين الطمأنينة والقلق، كأن حضوره وحده يكفي ليقول إن هذا الوطن له درع لا ينكسر. وتتجلّى في ذكرى الحسين بن طلال رحمه الله، ذلك الحضور الذي لم يغب، بل استقر في الوجدان كقيمةٍ تُقاس بها المعاني، وكذاكرةٍ لا تزال تبني في النفوس ما بدأه على الأرض. ثم تمتدّ لتتجلّى في حكمة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، حيث لا يكون الحاضر مجرد استمرار، بل وعيٌ متجدد يعرف كيف يحمل الوطن إلى الأمام دون أن يُثقله، وفي ملامح الحسين بن عبدالله الثاني، حيث يبدو المستقبل وكأنه يتدرّب على النهوض منذ الآن.

ولأن الوطن حياة تُعاش، فإن المواطَنة فيه ليست حقاً يُؤخذ فقط، بل عبءٌ جميل يُحمل؛ عبء أن تكون صادقاً حين يسهل التزييف، وأن تكون أميناً حين يكثر التفريط، وأن تكون حاضراً حين يختار غيرك الغياب. وهنا تحديداً، يظهر الأردني الحقيقي؛ لا في صوته المرتفع، بل في صمته المخلص، لا في ما يقوله، بل في ما يفعله حين لا يراه أحد.

وفي خضم هذا المشهد، لا يكون الاحتفال في الخارج وحده، بل في الداخل أيضاً؛ حيث يجلس الإنسان مع نفسه، بعيداً عن كل شيء، ويعيد ترتيب علاقته بوطنه، كمن يعيد ترتيب قلبه بعد فوضى طويلة. يسأل نفسه، لا ليُجيب الآخرين، بل ليُجيب ضميره: هل أنا من الذين يعيشون في الوطن، أم من الذين يعيشون للوطن؟

غير أن الحقيقة التي لا بد من قولها، أن الراية لا تحتاج إلى من يرفعها يوماً، بل إلى من يكون على مستواها كل يوم. فالوطن لا يُقاس بما نُظهره له من حب، بل بما نُخفيه له من إخلاص، ولا بما نقوله عنه، بل بما نصنعه من أجله. ومن لم يفهم هذه الحقيقة، سيظل واقفاً عند حدود المشهد، لا داخل معناه.

وهكذا يمضي هذا اليوم كنبضٍ يُعاد بثّه في القلب، يهمس لكل أردني، بصوتٍ هادئ وعميق: كن جديراً بهذا الانتماء الذي يسكنك، فإن الوطن لا يعيش في الأرض وحدها، بل يعيش فيك. وإذا كنتَ صادقاً معه، فلن تحتاج إلى يومٍ يذكّرك به، لأنك ستصير أنت الدليل عليه، والأثر الذي لا يزول.


مدار الساعة ـ