أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخصاونة يكتب: محاربة خطاب الكراهية في الأردن: معركة الوعي قبل القانون


محمد حافظ الخصاونة

الخصاونة يكتب: محاربة خطاب الكراهية في الأردن: معركة الوعي قبل القانون

مدار الساعة ـ

في ظل الانفجار الرقمي الذي أعاد تشكيل الفضاء العام، لم يعد خطاب الكراهية مجرد انحراف لغوي عابر، بل تحول إلى ظاهرة مركّبة تهدد تماسك المجتمعات واستقرارها.

ومن هنا، تكتسب الاستراتيجية الوطنية للدراية الإعلامية والمعلوماتية (2026–2029) أهميتها، بوصفها محاولة جادة لنقل المواجهة من ردّ الفعل إلى بناء المناعة المجتمعية.

ما يطرحه وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني يعكس تحولًا في فهم طبيعة التهديد؛ فالمشكلة لم تعد في وجود خطاب متطرف فحسب، بل في البيئة التي تسمح بانتشاره وتداوله دون وعي أو مساءلة.

هذه البيئة، التي يغذيها التسارع الرقمي وسهولة النشر، تجعل من كل مستخدم شريكًا محتملًا في إنتاج أو إعادة إنتاج الكراهية، حتى دون قصد.

من هنا، فإن التركيز على الدراية الإعلامية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أمن مجتمعي.

فبناء قدرة الأفراد، خصوصًا الشباب، على التمييز بين النقد المشروع وخطاب الكراهية، هو الخطوة الأولى في كسر دائرة التضليل والتحريض.

وهذا يتطلب أكثر من مجرد إدراج مفاهيم في المناهج؛ يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير، وفي ثقافة التعامل مع الاختلاف.

تصنيف اليونسكو الذي يضع الأردن على أعتاب المستوى الرابع يعكس تقدمًا مهمًا، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات.

فالانتقال إلى هذا المستوى يعني أن تصبح مهارات التفكير النقدي جزءًا من السلوك اليومي، لا مجرد إطار نظري. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نترجم السياسات إلى ممارسات؟ وكيف نحول الوعي إلى سلوك؟

خطاب الكراهية، بطبيعته، يتغذى على التعميم والتنميط، ويزدهر في البيئات التي يغيب فيها التفكير النقدي.

لذلك، فإن مواجهته لا يمكن أن تقتصر على العقوبات القانونية، رغم أهميتها. فالقانون يعالج النتائج، لكنه لا يعالج الجذور.

أما الجذور، فهي في العقل الجمعي، وفي طريقة تلقي المعلومات، وفي قابلية الأفراد لتصديق أو رفض ما يُعرض عليهم.

غير أن التحدي الأكثر حساسية يكمن في تحقيق التوازن بين محاربة الكراهية وحماية حرية التعبير. فالمبالغة في الضبط قد تخلق مناخًا من الخوف أو الرقابة الذاتية، بينما التساهل قد يفتح الباب أمام الفوضى والتحريض.

هذه المعادلة الدقيقة تتطلب وضوحًا في المعايير، وعدالة في التطبيق، وثقة متبادلة بين المواطن والمؤسسات.

دعوة المومني إلى تكامل الجهود ليست تفصيلًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا للنجاح. فمواجهة خطاب الكراهية مسؤولية مشتركة تبدأ من المدرسة، وتمر بالإعلام، ولا تنتهي عند الأسرة.

لكن التجارب السابقة تُظهر أن التنسيق بين هذه الأطراف غالبًا ما يصطدم بالبيروقراطية أو تداخل الصلاحيات، ما يستدعي آليات تنفيذ واضحة، ومساءلة حقيقية، لا تكتفي بالشعارات.

يمكن القول إن الأردن يقف أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يحول الاستراتيجية إلى ثقافة مجتمعية راسخة؟ وهل ينجح في بناء نموذج يوازن بين الحرية والمسؤولية في الفضاء الرقمي؟

الإجابة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في الممارسة اليومية.

فمحاربة خطاب الكراهية ليست معركة قوانين بقدر ما هي معركة وعي—وعي يحدد ما نقول، وكيف نقول، ولماذا نقول. وفي هذا الوعي، يتحدد شكل المجتمع الذي نريد.

مدار الساعة ـ