أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجمال الإنساني بين الظاهر والباطن

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

يشهد عالمنا المعاصر اضطرابًا واضحًا في كثير من المفاهيم، واختلالًا في الموازين؛ حتى غلب الحِسُّ والمظهر على المعنى، وصار التقييم في الغالب بما تراه العين لا بما يبصره القلب، فطغت الصورة على الحقيقة، وقُدِّم الظاهر على الباطن. ولم يكن مفهوم الجمال بمنأى عن هذا الخلل، بل أصابه ما أصاب غيره من سوء الفهم واضطراب التصوُّر؛ فغدا عند كثيرين صورةً تُقدَّس، أو قناعًا يُلبَس، بعد أن كان في أصله قيمةً إنسانيةً عميقةً، ودلالةً على الحكمة والكمال. ومن هنا تأتي هذه المحاولة لإعادة النظر في مفهوم الجمال، وردِّه إلى ميزانه الصحيح، وبيان حقيقته في التصوُّر الإسلامي. الله مصدر الجمال: إن أول ما ينبغي تقريره عند تصحيح مفهوم الجمال أن الجمال في أصله ليس فكرةً بشريةً، ولا حكمًا ذوقيًّا متقلّبًا، بل هو صادر عن مصدرٍ أعلى، هو الله سبحانه وتعالى. فالله جميل في ذاته، جميل في أسمائه وصفاته، جميل في أفعاله وصنعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ««إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ»» [1]. وإذا كانت الصنعة صادرة عن الكامل، فإنها لا تكون إلا متقنةً محكمةً، قال تعالى: {﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾} [النمل: 88]. ومن هنا قرَّر القرآن تقريرًا جامعًا أن كل ما أوجده الله داخل في دائرة الحُسن والإتقان، فقال تعالى: { ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾} [السجدة: 7]. فدلَّ هذا العموم على أن الحُسن وصفٌ شامل للخلق جميعًا، لا يخرج عنه شيء، وأن القبحَ حكمٌ بشريٌّ دخيلٌ على ظاهر الأشياء، لا أثر له في صنعة الخالق، وإنما ينشأ عن اختلاف الأذواق وقصور الإدراك. جمال الإنسان: وإذا كان الحُسن وصفًا عامًّا في الوجود، فإن للإنسان منه حظًّا وافرًا؛ إذ هو المخلوق الذي اجتباه الله وكرَّمه ورفع قدره، قال تعالى: {﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾} [الإسراء: 70]. ومن مظاهر هذا التكريم أن الله خلق الإنسان كيانًا مركَّبًا من بُعْدَين متكاملين: روحٍ، وجسد. وعلى هذا التركيب الفريد لم يكن الجمال فيه جمالًا واحدًا، بل جمالين متلازمين، لا يتعارضان ولا يستغني أحدهما عن الآخر: • جمال الظاهر (جمال الجسد). • جمال الباطن (جمال الروح). أولًا: الجمال الظاهر: لم يكن جمالُ الظاهر مقصورًا على وسامة وجهٍ أو رشاقة قوام، بل هو تناسقٌ في الأعضاء، واعتدالٌ في الخِلْقة، وحُسْنٌ في الهيئة، اجتمعت لتجعل من الإنسان صورةً بهيَّةً أبدعها الخالق، فقال تعالى: { ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾} [غافر: 64]. ولتمام هذا الحُسْن، أذن الله للإنسان بالزينة المشروعة التي تُظهِر هيئته في صورةٍ لائقةٍ، فقال سبحانه: {﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾} [الأعراف: 31]؛ ليبدو الإنسان بهذا في أجمل صورة وأحسن هيئة. وجرت سنة الله- في الغالب- أن يكون للباطن أثره على الظاهر؛ ففساد القلب يُلقي بظلاله على الوجه، كما قال تعالى في شأن أهل الكفر: {﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ﴾} [يونس: 27]، وصلاح القلب يفيض نورًا وبهاءً على السمت والهيئة، فقال جل شأنه عن المؤمنين: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ [الفتح: 29]. وبذلك يتبيَّن أن الظاهر تابعٌ للباطن، وأثرٌ من آثاره، لا أصلٌ قائمٌ بذاته. الانحراف في الجمال الظاهر: لم يُخلَق الجمالُ الظاهر في الإنسان عبثًا، بل لحِكَمٍ مقصودةٍ، وغاياتٍ منشودةٍ؛ غير أنَّ كثيرًا من الناس غفلوا عن تلك الغايات، فطلبوا الجمال لذاته، وقدَّسوا الصورة، ولَمَّعوا الظاهر، حتى اختزلوا الإنسان في شكله وهيئته، وجعلوا هذا معيارًا للتفاضل، فتحاكموا إلى المرآة، وصنَّفوا البشر إلى جميلٍ وقبيحٍ. ولعمري، أيعيبون الصنعة أم يعيبون الصانع؟ ومن هنا بدأ الخلل؛ إذ لم يلبث هذا التقديس للصورة أن أورث الإنسان سخطًا، فبات غير راضٍ عن خلقته، ولا قانعًا بقدره. فانطلق في رحلة البحث عن جمالٍ مستعارٍ؛ يستجديه من مبضع جرَّاحٍ ليعيد تشكيل ملامحه، أو من أصباغٍ تُخفي أكثر مما تُظهر، أو من حشوٍ تجميليٍّ يُفسد في كثير من الأحيان أكثر مما يُصلح. وهكذا تحوَّل الجمال من معنى يُكتسَب إلى قناعٍ يُلبَس، ومن حقيقةٍ تُبنى إلى مظهرٍ يُرمَّم، حتى غدا جسدًا مصقولًا وباطنًا أجوف. ثانيًا: جمال الباطن: جمالٌ لا يراه البصر، وإنما تدركه البصيرة؛ إنه جمال الروح في سموِّها، والقلب في صفائه، والنفس في زكاتها، والأخلاق في طُهْرها، والعقل حين يستنير بنور الحق. ومتى تجمَّل الإنسان بهذا الجمال، ألفته القلوب، وتاقت إليه النفوس، وأنست به الأرواح؛ فالأرواح لا تألف الصور، وإنما تألف الفضائل والمعاني. وجمال الباطن في ميزان الإسلام ليس ذوقًا شخصيًّا، ولا اختيارًا مزاجيًّا، بل هو أمرٌ شرعيٌّ ومقصدٌ ربانيٌّ؛ فقد جعل الله تزكية النفس طريقًا للفلاح: {﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾} [الشمس: 9]، وجعل سلامة القلب شرطًا للنجاة يوم القيامة، فقال: {﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾} [الشعراء: 89]. وربط النبي صلى الله عليه وسلم صلاح الجسد كله بصلاح القلب، فقال: « «ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ»» [2]. وجعل تمام مكارم الأخلاق غايةً من غايات بعثته، فقال: ««إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»» [3]. ولما كان الجمال الحقيقي متعلِّقًا بالباطن، وصف الله أعمال القلوب والسلوكيات الخُلُقية بالجمال، فقال: {﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾} [المعارج: 5]، { ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾} [الحجر: 85]، {﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴾} [المزمل: 10]. إن جمال الباطن نورٌ يضيء العقول، ويهدي النفوس، ويزرع الأمل في القلوب؛ ومن فضل الله ورحمته أنه يُنال بالجهد والصلاح والتربية، بينما الجمال الظاهر بعضه هبةٌ قدريةٌ لا يد للإنسان فيه، وبعضه مكتسب بالعناية والجهد. ميزان السماء: ميزان السماء لا يحفل بالصور، ولا يعبأ بالأشكال، بل بما يحمل القلب من نقاء، وبما تثمر الأعمال من نور ورحمة. قال صلى الله عليه وسلم: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ»» [4]. فالقلوب هي مرآة التقوى وميزان الكرامة عند الله تعالى: { ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾} [الحجرات: 13]. لقد وهب الله يوسف عليه السلام جزءًا من الحسن، فذهل الناسُ لجماله، فقالوا: { ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾} [يوسف: 31]، لكن الله لم يمتدحه لحسنه، بل امتدح عِفَّته وسمو أخلاقه، فقال: {﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾} [يوسف: 24]. وكذلك حين سُئِلَ البَرَاءُ بن عازب عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مِثْلَ القَمَرِ»[5]، لكن الله لم يمتدح النبي بذلك بل أشاد بحسن خلقه، فقال: {﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم ﴾} [القلم: 4]. ومن هنا يتضح أن الجمال الحق هو ما يزكِّيه الله في القلوب ويثمره في الأفعال، أما المظهر فلا قيمة له إلا إذا انعكس طاعةً لله، فهو مشروع لكنه ليس معيارًا للتفاضل. ومن فاضت فيه قيم الروح وسمو الأخلاق، ترك أثره خالدًا في القلوب بعد زوال هيئته. فاجعل قلبك ينبوع جمالك، وسلوكك مرآة روحك، فإن الخلود لا يكون للوجه البهي، بل للنفس الطاهرة والخلق الحسن.


مدار الساعة ـ