لا يمكن قراءة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتمديد فترة وقف إطلاق النار بغير عبارة الرضوخ لإرادة القيادة الإيرانية الرافضة لنهج الغطرسة والتهديد بالفناء والإبادة، وهي الإرادة التي تجلت في رفض طهران فتح مضيق هرمز إلا وفق شروطها المطروحة على طاولة التفاوض في إسلام آباد وفي مقدمتها حقها في التخصيب.
برّر العديد من المحللين تخبط واضطراب الرئيس الأمريكي بأنه نهج نفسي تفاوضي مدروس بعناية، غايته إرباك الخصم الإيراني، لكن قراءة موضوعية للتاريخ والأحداث الجارية تجزم بانعدام الحيلة لدى واشنطن في تحقيق نصر واضح في ميدان الحرب أو الدبلوماسية.يشير الواقع الملموس إلى أن الأوراق التي تملكها إيران، في عصر تبدلت فيه أدوات القتال والمواجهة، تتفوق في أثرها السياسي والاقتصادي والعسكري على موقف خصومها، وهو مجال واسع تخسر من خلاله الولايات المتحدة الكثير من النفوذ ومظاهر القوة المطلقة في العالم.تمسك إيران العالم من عنقه من خلال خنق خُمس التجارة العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، وتستطيع تضييق الخناق أكثر إذا قررت إقلاق اقتصاد العالم وأسواق الطاقة حين تقرر الإيعاز لحليفها الاستراتيجي في اليمن بتعكير صفو التجارة الدولية في باب المندب.كما تملك طهران ورقة ضغط على الإدارة الأمريكية تتمثل في بث الرعب في العواصم الخليجية، حين تهددها بتوديع فكرة إنتاج النفط في حال استهداف منشآتها الحيوية، الأمر الذي ينذر بكارثة اقتصادية وسياسية واجتماعية، تستلزم من دونالد ترامب كبح جماح نفسه، المتفلتة من عقالها، حتى في أشد حالات التصعيد، ليس من باب الحرص على حلفاء تاريخيين بل بدوافع اقتصادية محضة.بالتوازي مع ذلك، تتمتع إيران بتشابك علاقات واسعة بقوى دولية ونووية راسخة، تربطها بالمصالح الاستراتيجية الإيرانية علاقات وثيقة، تحول البراغماتية فيها دون التخلي عن طهران أو تركها لمصير مجهول ومضطرب، الأمر الذي يعكس ملامح القطبية العالمية في شكل المواجهات التاريخية التي يحسمها الانحياز الوطني لترسيخ صورة تلك الدول على خريطة النفوذ الدولي.في الوقت نفسه، لم تكن إيران لتمتلك هذه القوة الفاعلة في المنطقة والعالم لولا إخلاصها الاستراتيجي لمبادىء الثورة والذي ترجمته من خلال تصديرها، ويتمثل بكيانات فاعلة على الأرض في العراق ولبنان واليمن، وما قد تستعيده سريعاً في سوريا بحكم الجغرافيا والتقلبات الجيوسياسية المرشحة للتغير بين عشية وضحاها. خلاصة القول، أثبتت إيران أنها قوة ضاربة في المنطقة والعالم، بفضل الإرادة السياسية الصلبة، والذكاء في الاستفادة من مفاصل التأثير الناجع اقتصاديا، والمحافظة دور حلفائها كأذرع أخطبوطية ضاربة، وبفضل التحالفات الدولية والإقليمية الاستشرافية، وبحكم العقيدة الوطنية القتالية ذات البعد الروحي، التي تعتمد على الإرادة الوطنية. وراء هذا المشهد المعقد تمخر حاملات الطائرات الأمريكية عباب البحار في حشود لا تخفي نوايا مبيتة بأن القادم أخطر، والمنطقة برمتها على شفير حرب استنزاف لا تبقي ولا تذر غير ذكريات الرفاه والاستقرار والأمن.القيسي يكتب: الإرادة في مواجهة الغطرسة.. من يملك خيوط الحرب؟
مدار الساعة ـ