شهد العقد الأخير زلزالا إعلامياً عنيفاً لم يقتصر تأثيره على تغيير الأدوات، بل نسف بنية المشهد بأكمله. في خضم هذه الفوضى، تآكلت هيبة الصحافة التقليدية، تلك التي عُرفت يوماً بـ "السلطة الرابعة"، وتوارت لتحل محلها منصات رقمية صاخبة، سلمت قيادها لـ "مؤثرين" جردوا من أبسط قواعد المهنية والمسؤولية. تحول الفضاء العام إلى مسرح ضوضائي تضج فيه أصوات لا هم لها سوى حصاد المشاهدات، حتى لو كان الثمن هو الحقيقة ذاتها.
لقد استبدلت غرف الأخبار الرصينة ببث حي على "تيك توك"، وحلت التحقيقات المعمّقة مكانها مقاطع سريعة على "إنستغرام". أصبحت هذه المنصات هي المصدر الأوحد للمعلومات لدى أجيال كاملة، لكنها في الحقيقة بئر عميق للإشاعات، ومصنع لترويج الأكاذيب، وحاضنة للتضليل الممنهج الذي يعيد تشكيل وعي المجتمعات ويشوّهه.في النظام الإعلامي الجديد لم تعد قيمة المحتوى تُقاس بمدى عمقه الفكري أو قدرته على إثراء النقاش العام، بل أصبحت عملته الوحيدة هي "التريند". لقد وصلنا إلى حالة من الإفلاس الفكري، حيث تتصدر فيديوهات الرقص وعروض الأزياء السطحية واجهات المنصات، بينما تُدفن القضايا المصيرية تحت ركام التفاهة. نشهد اليوم تآكلاً خطيراً للقيم المجتمعية الراسخة، فقد تم تفريغ نماذج القدوة من محتواها، وأصبحنا نرى استعراضاً فارغاً للرجولة المزعومة في رحلات وسلوكيات استهلاكية، في حين تنجرف فتيات كُثر نحو موجة "اللايفات" والرقص العلني، في مشهد يعكس فراغاً ثقافياً قاتلاً ويُسَلِّع الإنسان ليحوله إلى مجرد رقم في عداد المشاهدات.إن استمرار غياب الإعلام العربي الحقيقي عن دوره الرقابي والتوجيهي هو بمثابة إعلان استسلام أمام هذا الطوفان الرقمي. إذا تُرك هذا المشهد بلا ضوابط أخلاقية أو مهنية، فنحن لا نتجه نحو كارثة اجتماعية فحسب، بل نقف على حافة انهيار قيمي شامل. المعركة اليوم هي معركة وعي تتطلب إعلاماً حقيقياً يستعيد زمام المبادرة، ويخلق محتوى رصيناً قادراً على مزاحمة هذه الفوضى، ويضع ميزانا دقيقا بين حرية التعبير ومتطلبات المسؤولية المجتمعية، قبل أن تنجح هذه المشاهد في تقويض ما تبقى من أسس مجتمعاتنا.صبيحات تكتب: السوشال ميديا.. حينما يتربع الأقزام على عرش الإعلام
مدار الساعة ـ