أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الضمور يكتب: بين ظاهر الجراح وحقيقة الوقائع


المحامي حسين احمد الضمور

الضمور يكتب: بين ظاهر الجراح وحقيقة الوقائع

مدار الساعة ـ

لأنني أعمل بخبرةٍ صقلتها الأيام، وتجارِبَ خَبِرتُ فيها طبائع البشر، فقد أدركت أن الحقيقة لا تُؤخذ من ظاهرٍ يُرى، ولا من دمعةٍ تُسكب، بل من ميزانٍ دقيقٍ تُوزن فيه الوقائع بإنصافٍ وعدل.

وفي رحاب مهنتي، حيث تُعرض الخصومات وتتشابك الادعاءات، علّمتني المحاماة درسًا لا يُخطئ:

ألا أتسرّع في إصدار الأحكام الأخلاقية قبل أن تستقيم لديّ المعالم القانونية.

فكم من مشهدٍ يستدرّ العاطفة، لكنه يُخفي وراءه ما يُبدّل وجه الحقيقة!

فإذا جاءك خصمٌ وقد فُقِئت عينه، فلا تعجل بالحكم له، فربما كان هو البادئ، وقد فقأ لخصمه عينيه كلتيهما من قبل.

وقد يقف أمامك اثنان، في حالٍ يُرثى لها، يتبادلان الاتهامات، ويغرقان في سردٍ مشوبٍ بالألم، لكن الحقيقة قد تكون أبعد من جراحٍ ظاهرة، وأعمق من رواياتٍ متقابلة، فقد تكون تلك الإصابات أداةً للتضليل، أو امتدادًا لممارساتٍ سابقة يراد بها ليُّ عنق العدالة.

إن التريّث ليس ضعفًا، بل هو خُلُق الفرسان في ميدان الحق.

والبحث عن بادئ الأمر، عن الجذور الأولى للنزاع، هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الأصدق.

أما التعاطف المجرد، فهو أقرب الطرق، وأخطرها إن لم يُضبط بميزان العدالة.

وفي مهنتنا، لا نُنشِد العاطفة، ولا نُجاري الانطباع، بل نبتغي الحقّ حيث كان، ونمضي إليه ولو خالف الظاهر، لأن العدالة لا تُبنى على الانفعال، بل على التثبّت، ولا تقوم على الشفقة، بل على البصيرة.

وهكذا تبقى الحقيقة، لا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بعقلٍ يُنقّب، وضميرٍ لا يرضى إلا بالعدل.

مدار الساعة ـ