أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: بين هدوء الشاعر وبركانه.. موسى حوامدة كما عرفته


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: بين هدوء الشاعر وبركانه.. موسى حوامدة كما عرفته

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

تتشكل العلاقات الإنسانية، في الحقل الثقافي على وجه الخصوص، ببطءٍ يشبه نضج القصيدة؛ لا تأتي دفعةً واحدة، ولا تكتمل في لقاءٍ عابر، بل تتراكم عبر النصوص، والمواقف، والإيماءات الصغيرة التي لا تُرى إلا بعد حين. هكذا بدأت علاقتي بالشاعر موسى حوامدة؛ لا بوصفه اسمًا لامعًا في المشهد الشعري الأردني والعربي فحسب، بل بوصفه حضورًا إنسانيًا وثقافيًا كان له أثره العميق في مساري، وفي فهمي للكتابة بوصفها مسؤوليةً قبل أن تكون تعبيرًا.

في تلك المرحلة التي كانت فيها جريدة الدستور نافذتي إلى القرّاء، كنت أتابع بشغفٍ نشر مقالاتي في ملحقها الثقافي، ذلك الملحق الذي لم يكن مجرّد مساحة للنشر، بل كان أشبه بمختبرٍ حيٍّ للأفكار والأساليب، تتجاور فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الرؤى. وكان موسى حوامدة، بصفته مدير الدائرة الثقافية آنذاك، يقف في قلب هذا الحراك، لا كحارسٍ للبوابة، بل كصاحب ذائقةٍ يعرف كيف يميّز بين ما يُكتب وما يستحق أن يُقرأ.

لم تكن العلاقة بيننا، في بداياتها، علاقة مباشرة بقدر ما كانت حوارًا صامتًا عبر النصوص. كنت أكتب، وأرسل، وأنتظر. وكان النص، حين يُنشر، يحمل في طيّاته إشارةً غير منطوقة: أن هناك من قرأه بعين الشاعر، لا بعين الموظف. وهذا الفرق، على بساطته الظاهرة، كان جوهريًا في تشكيل ثقتي بما أكتب. فموسى حوامدة لم يكن من أولئك الذين يتعاملون مع النصوص بوصفها موادّ تُملأ بها الصفحات، بل كان يراها كائنات حيّة، تحتاج إلى من يفسح لها المجال كي تتنفس.

ومع مرور الوقت، لم تعد العلاقة محصورة في فضاء الجريدة، بل امتدت إلى رابطة الكتّاب الأردنيين، حيث تتخذ العلاقات طابعًا أكثر كثافةً ووضوحًا. هناك، لا تختبئ الشخصيات خلف النصوص، بل تنكشف في الحوار، وفي الاختلاف، وفي طريقة الإصغاء قبل الكلام. وفي هذا الفضاء، رأيت موسى حوامدة على نحوٍ أكثر قربًا، وأكثر إنسانية.

كان حضوره لافتًا، لا بضجيجٍ مفتعل، بل بهدوءٍ واثق. يلقاك بابتسامةٍ صادقة، لا تشي بكل ما في داخله، لكنها تفتح باب الألفة. لم يكن من أولئك الذين يسعون إلى احتلال المشهد بالكلام، بل كان يُجيد فنّ الإصغاء، وكأنّه يكتب في داخله ما يسمعه قبل أن يعلّق عليه. وحين يتحدث، يأتي كلامه محسوبًا، مشبعًا بتجربةٍ شعريةٍ وإنسانيةٍ لا تخطئها الأذن.

وكان صوته، حين يعلو، صوتًا جهوريًا يحمل نبرة الشاعر الذي يعرف كيف يوقّع الجملة كما يوقّع البيت الشعري. ليس الجهر هنا مجرّد علوٍّ في الصوت، بل حضورٌ طاغٍ في المعنى، وقدرة على أن يجعل الآخرين يصغون، لا لأنهم مجبرون، بل لأن في صوته ما يستحق الإصغاء.

غير أن أكثر ما كان يلفتني في شخصية موسى حوامدة، هو هذا التوازن الدقيق بين الهدوء والاشتعال. ففي حالته العادية، يبدو هادئًا إلى حدٍّ قد يُساء فهمه؛ هدوءٌ لا يخلو من التأمل، ولا من مسافةٍ يضعها بينه وبين الأشياء. لكن هذا الهدوء لم يكن برودًا، بل كان أشبه بسطحٍ يخفي تحته حركةً دائمة.

وحين يغضب، ينكشف وجهٌ آخر من شخصيته، لا يقل صدقًا عن الأول. يتحوّل الهدوء إلى بركانٍ حقيقي، لا يهدأ بسهولة، ولا يكتفي بإشارةٍ عابرة. في تلك اللحظات، يتكلم موسى حوامدة كما لو أنه يكتب قصيدةً حادة، خالية من المجاملات، مباشرة في إصابة هدفها. غضبه ليس انفعالًا عابرًا، بل موقفٌ مكثّف، يكشف عن حساسيةٍ عالية تجاه ما يراه خطأً أو تجاوزًا.

وقد يبدو هذا التحوّل، للوهلة الأولى، تناقضًا، لكنه في الحقيقة انسجامٌ عميق مع طبيعة الشاعر. فالشاعر، في جوهره، كائنٌ يعيش على الحافة؛ بين الصمت والكلام، بين التأمل والانفجار، بين الحلم والواقع. وموسى حوامدة، في هذا السياق، لم يكن استثناءً، بل تجسيدًا حيًّا لهذه الحالة.

في رابطة الكتّاب، حيث تتقاطع الرؤى، وتحتدم النقاشات، كان هذا الجانب من شخصيته يظهر بوضوح. لم يكن يتردّد في التعبير عن رأيه، حتى لو خالف الآخرين، ولم يكن يبحث عن التوافق السهل بقدر ما كان يبحث عن الصدق. ومع ذلك، ظلّ، في علاقاته الشخصية، وفي صداقاته، وفيًّا لدفءٍ إنسانيٍّ لا تخطئه الذاكرة.

كان محبًا لأصدقائه، قريبًا منهم، يشاركهم تفاصيلهم الصغيرة، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما لا يُمنح عادةً في العلاقات العابرة. ولم يكن هذا القرب مصطنعًا، بل كان امتدادًا لطبيعته التي ترى في الصداقة شكلًا آخر من أشكال الكتابة؛ كتابةً بلا ورق، لكنها لا تقل أثرًا.

أما على المستوى الشعري، فكان موسى حوامدة صوتًا متميزًا، لا يشبه إلا نفسه. قصيدته تحمل ذلك التوتر الجميل بين اللغة والحياة، بين الرغبة في البوح، والحذر من الابتذال. وفي شخصيته، كما في قصيدته، نجد هذا السعي الدائم إلى التوازن بين ما يُقال وما يُترك للسكوت.

في علاقتي به، لم أكن أتعامل مع شاعرٍ فحسب، بل مع تجربةٍ كاملة، تتداخل فيها الكتابة بالحياة. تعلّمت من حضوره أن النص لا ينفصل عن صاحبه، وأن الشاعر الحقيقي هو من يظلّ، في حياته اليومية، وفي مواقفه، وفي طريقة تعامله مع الآخرين، وفيًّا لذلك الصوت الذي يكتبه.

وإذا كان لي أن أختصر هذه العلاقة، بعد كل هذه السنوات، لقلت إن موسى حوامدة لم يكن مجرد مرحلةٍ عابرة في مسيرتي، بل كان علامةً فارقة، ساهمت، بشكلٍ أو بآخر، في تشكيل رؤيتي للكتابة، وللثقافة، وللعلاقة بين الإنسان ونصّه.

هكذا أراه، كلما استعدت تلك التفاصيل: شاعرًا يبدأ من الهدوء، كما تبدأ القصيدة من همسٍ خافت، ثم - إذا ما استدعت اللحظة - يتحوّل إلى صوتٍ عارم، يملأ المكان، ويترك أثره طويلًا في الذاكرة. ليس لأنه الأعلى صوتًا، بل لأنه الأصدق حضورًا.

مدار الساعة ـ