في السعي لتجنب الامتثال لسيادة القانون، لا يتردد الكثيرون في مجتمعنا إلى استدعاء كل الحجج الممكنة، المبرر منها وغير المبرر. الجدل الذي يدور منذ أسبوعين، حول قرار أمانة عمان نشر أنظمة رصد لمخالفات السير، ومراقبة حركة المرور، أو نظام الكاميرات الخاص بالمراقبة الأمنية للطرقات، هو أحدث مثال على المقاومة المتأصلة لمبدأ تنفيذ القانون، وضبط المخالفين.
وفي كل سابقة في هذا الميدان، كان استدعاء الملاحظات وعرقلة تطبيق الأنظمة المرورية، لا يأتي في سياق تصويب الاختلالات في التطبيق، أو تجويد أشكال المراقبة الفعالة للمخالفات، إنما يأتي في إطار سعي يكمن في أعماقنا، للإفلات نهائيا من فكرة الامتثال القانوني، والالتزام بالتعليمات.مجتمعات المدن الكبرى في العالم المعاصر، تدار عبر أنظمة رقابة إلكترونية، مربوطة بمراكز سيطرة وشبكة من الأجهزة العملاقة، التي ترصد حركة ملايين البشر في الطرقات، سواء كانوا مشاة، أو ركابا في وسائل النقل العامة والخاصة. الكاميرات المنتشرة في كل زاوية في تلك المدن، تتبعك في كل شارع تعبره، أو موقع تجلس فيه.أنظمة مراقبة حركة المرور وتحرير المخالفات الفورية، في العواصم والمدن الكبرى، تمسك بكل الشوارع والأحياء. من دون ذلك، ستتحول حياة الملايين من السكان إلى فوضى عارمة، ولن يكون باستطاعة الأجهزة الأمنية متابعة المجرمين أو المشبوهين في أعمال السرقة والاعتداءات بكل أشكالها.معظم الأردنيين زاروا أو عاشوا في بلدان تخضع لهذه المنظومة الصارمة من المراقبة بأنظمة الكاميرات، وطالما أبدوا إعجابهم بتجربة الحياة هناك، مقارنة مع ما تشهده شوارعنا من فوضى مرورية.المثير للدهشة حقا أنه وعندما نشرع في تطوير أنظمتنا لمواكبة تجارب تلك الدول، تتبدل اللهجة تماما، وتصبح النظرة إليها عدائية، من طرف الأغلبية، التي تبدأ بالتشكيك بالنوايا، حيث يصفها البعض بخطوات هدفها الجباية، ويضيف آخرون حزمة من الحجج لرفضها كالقول إن الكاميرات اعتداء على الخصوصية. وتلك أيضا مفارقة عجيبة، فبينما يمضي بعضنا نهاره في تصوير حياته الخاصة في المنزل والمكتب والسيارة على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك حياة عائلته، وبشكل مهين أحيانا، نجده يرفع صوته معترضا على كاميرات تلتقط مخالفات حزام الأمان بدعوى أنها اعتداء على الخصوصية!ولم تقف محاولات تعطيل القرار عند هذا الحد، فقد طرحت أسئلة جدلية حول شمول الكاميرات لمخالفات الأكل والشرب والتدخين في المركبات، واعتبار ذلك تجبرا على المواطنين. لا أعرف بلدا سبق له تطبيق مثل هذه الأنظمة، تفنن أهله في البحث عن ذرائع لكسر التعليمات.نفهم أن التحديث وفرض السيادة الكاملة للقوانين، يتفاوتان في جودتهما من مجتمع لآخر، وفقا لعوامل ثقافية واقتصادية وسياسية متشابكة. لكن عالمنا اليوم لم يعد يتيح فرصة للمتأخرين عن ركب الحداثة، خاصة عندما ترتبط بشكل مباشر في حياة الناس ومصالحهم.لسنا في أحسن حال على صعيد شبكات الطرق في المدن، ونحتاج لتخطيط أفضل يساعد في تطبيق القانون على الجميع، غير أن التوظيف المفرط لثقافة الإفلات من الامتثال سيجعل حياتنا عبثية في المدن الكبرى، حتى لو حظيت بأفضل الشوارع.لو كان الأمر يتعلق بعدم جاهزية الشوارع لتطبيق أنظمة المراقبة بالكاميرات لمخالفات السير، فما قولكم بمخالفات ترك النفايات في أجمل غاباتنا في هذه الأيام الربيعية المميزة. هل المشكلة في المواقع أم في ثقافة بدائية تأبى تحمل المسؤولية؟!ماذا لو قررت الحكومة تركيب كاميرات رصد في المواقع السياحية والغابات وأماكن التنزه؟ الأرجح أن حجة الخصوصية سترفع في وجه الحكومة أيضا. يبدو أننا نريد كاميرات مراقبة، لكن بشرط أن لا ترصد مخالفاتنا.كاميرات لا ترصد المخالفات!
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ