إنّ المدقّق في مسار العلاقات الأمريكية الإسرائيلية منذ تأسيس قيام دولة إسرائيل في عام 1948 يلاحظ أنها مرت في محطات عديدة وأنها انتقلت من مجرد دعم سياسي ومعنوي إلى شراكة فعلية بالدم والسلاح. ولتجلية هذا المسار فإنّ استعراضاً لهذه المحطات يبدو ضرورياً ودالاً:
أولاً: عند قيام إسرائيل في عام 1948 بقرار من الأمم المتحدة كانت الولايات المتحدة (برئاسة ترومان) هي أول بلد في العالم يعترف بالدولة الوليدة، وحيث أن الولايات المتحدة كانت أحد الحلفاء الكبار المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (بجانب الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، وفرنسا...) فإنّ هذا الدعم السياسي المبكر كان هاماً جداً، وقد قاد إلى مزيد من الاعترافات الدولية بالكيان السياسي الجديد. ثانياً: عند حصول العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل) على مصر بسبب تأميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لقناة السويس اعترضت الولايات المتحدة (برئاسة أيزنهاور) على هذا العدوان ومارست ضغطاً حقيقياً على إسرائيل كي تنسحب من سيناء التي احتلتها مع بريطانيا وفرنسا، والواقع أنّ الولايات المتحدة في هذه الفترة التاريخية كانت تريد أن تكرّس نفسها كوريث للإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغرب عنها الشمس، كما أنها خشيت من تفاعلات الموقف مع غريمها الاتحاد السوفيتي الذي اتخذ موقفاً صارماً من العدوان وهدد بقصف لندن وباريس إن لم تنسحب قوات العدوان من الأراضي المصرية، والواقع أنّ الدعم الغربي لإسرائيل في هذه الفترة (1948 – 1967) كان يتركز في دعم بريطانيا وفرنسا (وهذه الأخيرة هي التي ساعدت إسرائيل على بناء مفاعلها النووي في ديمونة في أواخر الخمسينات وبداية الستينيات). ثالثاً: عند نشوب حرب 1967 بين إسرائيل والدول العربية كان الدعم الأمريكي (برئاسة جونسون) لإسرائيل واضحاً وجلياً ففضلاً عن تزويد إسرائيل بأفضل الأسلحة الأمريكية (وبخاصة بعد منتصف الستينات للوقوف في وجه المد القومي العربي) وفرت الولايات المتحدة لإسرائيل غطاءً سياسياً كي لا تنسحب من جميع الأراضي العربية التي احتلتها (سيناء، والضفة الغربية، والجولان السوري)، ولكي تصبح القوة المتفوقة نوعياً على جميع الدول العربية المحيطة بها. رابعاً: مع نجاح الدول العربية في شن حرب مفاجئة ناجحة على إسرائيل في عام 1973 عملت الولايات المتحدة كل ما في وسعها عسكرياً كي لا تتعرض إسرائيل لهزيمة كاملة، وقد تمثّل ذلك في تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة التي كانت تنزل في ميدان القتال مباشرةً، كما تمثّل في المحادثات المصرية الإسرائيلية التي تمخضت في النهاية عن اتفاقية كامب ديفيد مع مصر (1979)، واتفاقية فك الاشتباك مع سوريا (1975)، وقد تجلى الدعم الأمريكي القوي لإسرائيل في هذه الفترة بغض النظر عن تنامي الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية (قرابة 750,000 مستوطن)، والقبول الضمني في ضم إسرائيل للجولان السوري المحتل في عام 1981.خامساً: لقد مثل الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وهدم دولته الوطنية (بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم الذي كان قائماً) خدمةً جُلى لإسرائيل، فقد كان العراق دولة قوية واعدة تمثل خطراً حقيقياً (وإن على المدى البعيد) على إسرائيل، والحقيقة أنه بهذه الحرب التي تكفلت بها الولايات المتحدة نيابة عن إسرائيل تخلصت الأخيرة من عدو خَطِر بالنسبة لها، ولذا لا غرابة في أن إسرائيل استغلت الاحتلال الأمريكي للعراق ولاحقت العلماء والطيارين العراقيين في كل مكان، كما عملت على المساعدة في فصل كردستان العراق عن الوطن العراقي، وتعزيز الفتن الطائفية في العراق لإبقائه ضعيفاً وخارج ساحة المواجهة الحقيقية مع إسرائيل. سادساً: لقد جاءَت الحرب الأخيرة مع إيران (حرب الـ 12 يوماً قبل ثمانية أشهر وحرب الـ 40 يوماً) الحالية لكي تمثل مشاركة أمريكية فعلية في حروب إسرائيل ضد أعدائها ففي الحرب الأولى (12 يوماً) شاركت الولايات المتحدة في المرحلة الثانية من الحرب في قصف المواقع النووية الإيرانية بأسلحتها الاستراتيجية التي لا تملكها إسرائيل فضلاً عن التنسيق معها الذي سبق الحرب، وشاركت منذ البداية في حرب (الـ 40 يوماً) الحالية مشاركةً فعلية حيث شنت أكثر من 15,000 غارة على المواقع الإيرانية فضلاً عن فرض حصار بحري على مضيق هرمز. والواقع أنّ الحرب الأخيرة هذه كانت "بتحريض" من نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لخدمة مصالح إسرائيل كما أشارت وسائل إعلام أمريكية هامة (مثل النيويورك تايمز وغيرها)، وكما أشار "جو كينت" مدير المركز الوطني الأمريكي لمحاربة الإرهاب الذي استقال احتجاجاً على هذه الحرب التي لا تخدم المصالح الأمريكية بقدر ما تخدم المصالح الإسرائيلية. إنّ من الواضح تماماً أنّ أيّ استقراء تاريخي موضوعي للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية يبين بوضوح أنها انتقلت من مجرد دعم سياسي ومعنوي لإسرائيل إلى تحالف إستراتيجي انتهى بمشاركة أمريكية فعلية في حروب إسرائيل ضد أعدائها.العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: من تحالف سياسي إلى شراكة فعلية!
مدار الساعة ـ