أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الباشا الرقاد يكتب: أرى تحت الرماد وميض جمر... ويوشك أن يكون له ضرام


اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
مدير التوجيه المعنوي الأسبق

الباشا الرقاد يكتب: أرى تحت الرماد وميض جمر... ويوشك أن يكون له ضرام

اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
مدير التوجيه المعنوي الأسبق
مدار الساعة (مجلة جند عُمان العسكرية (العدد 593 ابريل 2026)) ـ

في إطار هذا الزمن السريع التغير والتغيير المستند إلى ثورة الاتصال والمعلومات ، تتسارع فيه مساحات انتشار الأخبار والتقارير الإعلامية عبر شاشات الفضائيات المحلية والإقليمية والدولية الرسمية والخاصة إلى الحد الذي قد يسبق انطلاقات الفكر ، حيث أن الحروب أصبحت تُخاض ليس فقط في ميادين القتال وأطر العمليات العسكرية على الأرض ، وفي مجالات الحرب النفسية والعمليات النفسية ، بل تجاوزت ذلك إلى آفاق أرحب وأخطر إلى الفضاء الإدراكي للعقل البشري الذي أصبح يتحكم في كيفية تحديد فهم العالم لما يحدث ؟ ، ولماذا يحدث ؟ ، حيث انتقلت مفاهيم القوة من حيز النار والبارود والمدفع والدبابة إلى حيز احتكار وتقييد وتوجيه الفهم والمعنى في ذهن المتلقي ، ومن احتلال الأرض والسيطرة عليها إلى احتلال العقول وتلوين المفاهيم من خلال التحكم في صياغة السرديات والروايات والهيمنة عليها.

وفي ظل هذه البيئات القلقة وغير المستقرة تبرز الحرب الإعلامية التي تُعرّف بأنّها : " استخدام وسائل الإعلام والاتصال الاستراتيجي للتأثير على الإدراك والسلوك بما يخدم أهدافًا سياسية أو عسكرية" وتتضمن الدعاية ، الحرب النفسية والعمليات النفسية ،التضليل الإعلامي وإدارة الإدراك ، على اعتبار أنّ الحرب الإعلامية واحدة من أهم أدوات الصراع الأعمق تأثيرًا والأقل كلفةً في ترجيح موازين الحروب لصالح من يملك هذه الأدوات ، ويحسن توظيفها ، إذ لم تَعُدْ تحليلات الصراعات مقتصرة على البعد العسكري والمواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتصبح مبارزات إعلامية على ساحات الصراع ، للهيمنة على الرواية والسردية ، والسيطرة على الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي ، حيث تتداخل العمليات العسكرية والقتالية مع العمليات الإعلامية الاتصالية بهدف التأثير على الإدراك الجماهيري من خلال صناعة السرديات وترتيب مفاصلها .

وفي الوقت الحاضر يمثل الصراع العسكري المسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية أنموذجًا بارزًا لهذه التحولات ، حيث تتصاعد حدة الاشتباكات العسكرية بأشكالها على خطوط التماس وبخاصة في العمليات القتالية الجوية ، فتدور بالتوازي مع هذه المعارك معاركُ أشدُّ ضراوة ، وأعمق أثرًا وأبلغ تأثيرًا ، مع أن الكثير منها يجري في الخفاء ، وتتمثل في معارك بدون صليل سيوف ولا قعقعة سلاح ولا هدير طائرات مقاتلة ، لكنها تترك آثارًا أعمق من انشطارات صاروخ (بالستي) ، وتأثيرات أعمق وأخطر من قذائف الطائرات التي تصل إلى أعماق المناطق المحصنة تحت الأرض ، وتمتد تأثيراتها مباشرة إلى تفسير الأحداث في اتجاهات تحديد من هو الجلّاد ومقترف الذنب، ومن هو الضحية ، وتتدخل مباشرة وبدون استئذان في صياغة الإطار المرجعي الذي تصبح قراءة الواقع من خلاله بغض النظر عن صحة هذا الواقع من عدمها ، فهي معارك لا تقل حسمًا عن الحسم الميداني للعمليات القتالية على أرض الواقع ، ذلك لأنها تتدخل في صياغة شروط الشرعية التاريخية والسياسة وشرعية الإنجاز وشرعية المعتقد ، لتعيد تشكيل رأي واتجاه وإدراك الأصدقاء والحلفاء والخصوم والجماهير المستهدفة على حدٍ سواء ، أنها معارك صياغة الإدراك ، والتلوين البارع للسرديات لكسب العطف والتعاون الدولي ، وتسهيل للطريق أمام تحقيق الأهداف ، وأداة لشل خُطط الخصوم ، وإرباكهم وإضعاف معنوياتهم.

وقديمًا كان للعرب فلسفة خاصة في النظر إلى ويلات الحروب ، حيث وصف الفارسُ العربي عنترة بن شداد الحربَ بقوله : " الحرب أولها كلام وشكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى" ، ومن الأدبيات العربية التي تجسد فلسفة النظرة للحرب وتعكس مدى خطورتها قول نصر بن سيار الكناني الذي يعكس خطر تداعيات الحروب ، حيث يقول :

أرى تحت الرماد وميض جمر... ويوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النارَ بالعودين تُذكى ..... وإن الحربَ مبدؤها كلامُ

فإن لم يطْفِها عقلاءُ قومٍ ........ يكون وقودُها جثثٌ وهامُ

والمعنى هنا يشير إلى أن (الوميض) هو الخطر الصغير في البداية والذي قد يتطور ليصبح (ضرامًا) بمعنى حربًا شاملة ومدمِّرة ، وإذا لم يكن هناك عقلاء يطفئون نيرانها، ويخلصون العالم من شرورها فستأكل الأخضر واليابس .

كما جسدت اشعار زهير بن أبي سلمى نظرة العرب إلى الحرب وإبراز خطورة مجرياتها وتداعياتها حيث يقول :

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً....وتضُرُّ إذا ضريتموها فتُضْرمِ

فتعرككم الرحى بثفالها .... وتلقح كِشَافًا ثم تنتج فتُتْئِمِ

حينما يصبح الإدراك قوة والسردية سلاحًا

لقد تغيرت الظروف ، وتنوّعت أشكالُ القوة ، حيث أنه من المعروف تقليديًا أن مفهوم القوة مرتبط بقدرة الخصم على فرض إرادته على خصمه وإخضاعه بالقوة والإكراه المادي ، غير أن ظروف الحروب والصراعات المسلحة قد تغيّرت وتنوّعت ، حيث صعدت مفاهيم جديدة عملت على إعادة صياغة مفاهيم القوة بصياغات جديدة مثل مفهوم" القوة الإدراكية"، والتي تعني القدرة على التأثير في كيفية توجيه وصياغة فهم الآخرين للواقع ، فالانتصار في الحرب لا يتوقف عند تحقيق النصر المادي فقط ، بل على المنتصر أن يقنع الآخرين بأن نصره مستحقٌ ومشروع ، ففي الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الجارية في هذه الأثناء تجسد الولايات المتحدة الأمريكية - في السياق الآنف الذكر- النصر عبر خطاب سياسي إعلامي يربط تدخلاتها في الحرب بقيمٍ عالمية مثل ضرورة الاستقرار ،الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، بما يضمن لها شرعية دولية في التدخل ، بمعنى أن الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية الحالية تعتمد على السعي للهيمنة على الإعلام الدولي من خلال توظيف الخطاب السياسي الإعلامي الحريص على الديمقراطية ، واستخدام الإعلام والاتصال الاستراتيجي كأداة لتبيت سرديتها التي تحاول إثبات شرعية هذا المنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة في التدخل، ومشروعية القرارات التي تتخذها تجاه التدخل السياسي أو العسكري في سياسات وسيادة الدول الأخرى ، فيما تستند الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية إلى التركيز على الأمن ، وأنها تتعرض لتهديد وجودي ، لذا فهي تسعى إلى توظيف إعلامها وإعلام أصدقائها الغربيين لتحقيق مصالحها وأهدافها العليا ، لذا نجد أنها تعتمد على إطار أمني يقدم أفعالها وسلوكياتها على أنها ضمن منطق الدفاع عن النفس ، الأمر الذي يتيح لها فرصًا لكسب مساحات أوسع من التعاطف الغربي ، فيما سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ زمن من أجل تطوير وتجويد سردية مضادة للسردية الإسرائيلية ، حيث وضعت نفسها في موضع المقاومة في مواجهة الهيمنة ، وقد وظّفت لذلك مزيدًا من المنصات الإعلامية البديلة والشبكات الرقمية العابرة للحدود .

وفي إطار الصراع بين الدول فقد تم التركيز على ترسيخ مبدأ من يملك السردية الأقوى والكثر تماسكًا، وعلى من يملك القدرات الفنية والتقنية لنشرها فهو هو الذي سيحقق الفوز في المعركة ، ويحق له أن يعلن النصر على الخصوم .

الإعلام الرقمي يعيد صياغة التأثير.

في ظل تنامي دور الإعلام الرقمي الجديد طرأ تغيرٌ مهم وخطير على كيفية صياغة التأثير الإعلامي ، وتعزيز قدراته على إحْداثِ التغيير ، حيث أصبح الإعلام الرقمي أكثر قدرة على صياغة السردية التاريخية ، واستغلت الدول المنخرطة في الصراعات هذه القدرات وبخاصة مع تنامي دور خوارزميات الذكاء الاصطناعي والفرص لتوظيف الإعلام الرقمي التوظيف الأمثل ليخدم مصالحها العليا ، بالإضافة إلى استخدامه لتثبيت حقوق تاريخية تدّعي أو تحاول إثبات أنها لها، الأمر الذي ينعكس في تجسيد صورة ذهنية لدى الجماهير المستهدفة لتصبح عنصرًا من عناصر قوة الدولة وسرديتها ، وإقناع الآخرين بأنها هي من حقق الفوز ومن ربح المعركة ، وإن ما حققته ووصلت إليه هو نصر مستحق لها ولشعبها .

وهنا .. فإذا كانت سردية هذه الدولة هي الأقوى فإنها ستخلخل رواية الخصم ، لا بل ستحطم صورته في ذهن الجمهور المستهدف، وبذلك تعزز من تشكيل الرأي العام الذي يعد تيارًا جارفًا سيغرق سرديات الخصم ، وربما سيذهب إلى أبعد من ذلك بحيث يصل إلى مرحلة بث الفرقة في التركيبة المجتمعية في دولة الخصم لانكشاف كذب سرديته الضعيفة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة من وسائل الإعلام الرقمي الجديد قد تشكل أداة أكثر أهمية في قلب المعادلة من خلال بث الفرقة في صف الخصوم ، بل ستعمل على إرباك التوجهات السياسية والعسكرية لدى أحد أطراف الصراع ، مما يؤدي إلى تشتيت المواقف السياسية والعسكرية بين مؤيد ومعارض ، ويقود إلى إضعاف سرديات ومواقف الخصم ، وتوصلها إلى مرحلة الهشاشة التي توصل إلى ما هو أكثر خطورة وهي مرحلة الانكسار السياسي والعسكري، حيث لم تَعُدْ المؤسسات المدنية والعسكرية وحدها هي القادرة على تحديد وتقييد ما يمكن أن يُسْمَع او يُرى ويُشاهد ، وما يمكن أن يُحْجَب عن الجمهور المستهدف ، حيث يخلق هذا الوضع بيئة إعلامية حربية معقدة يتكون فيها الشركاء والفاعلون من الحكومات والشركات والتقنيات ووسائل الإعلام والاتصال الاستراتيجي سواء أكان تقليديًا أم جماهيريًا أم إعلامًا رقميًا أم وسائل تواصل اجتماعي ، فكل هؤلاء الفاعلين يسهمون بشكل أو بآخر في صناعة وصياغة السرديات ، ويعملون على تداولها ونشرها ، وعلى أرض الواقع يمكن القول أن التحول الرقمي أنهى عصر احتكار السلطة للمعلومة وللسردية المرادة ، لكن أسهم في إعادة تشكيل التأثير دون إلغائه .

وهنا فإن الدول التي تملك المال والتقنيات ، وتتقن استخدام الخوارزميات ، ولديها القدرة على تفهم آليات الانتشار، وتملك السيطرة على مخرجات الذكاء الاصطناعي... يصبح بإمكانها أن تضخم سردياتها ، وتصيغ رسائلها الإعلامية بتماسك ، وتنشر منجزاتها العسكرية ، وتعزز علاقاتها السياسية والدبلوماسية على نحو يفوق إمكانات الذكاء البشري ، لكن ينبغي الحذر هنا من أن الفضاء الرقمي الذي وفّر كل هذا الإمكانات قد يفتح الباب واسعًا أمام عمليات التضليل الإعلامي ، والتلاعب بالمحتوى الإعلامي من خلال محاولات صناعة حقائق بديلة قادرة على تحطيم رواية وسردية الخصم ، وحشر الجماهير المستهدفة في دوائر رمادية وضبابية بالنسبة للمعلومات ، مما يفرض إرهاقًا على العقل البشري من حيث التمييز بين ما هو غث وسمين ، وكذب وتضليل ، وهنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه .. من ينجح ؟ ، هل هو الذي يزيّن سرديته بالمعقول ؟ أم من يقول الحقيقة ؟، لكن الواقع يقرر بأن قول الحقيقة لوحده لا يكفي بل يستدعي تجميل السردية ، وتمتين الرواية، والحفاظ على تماسك عناصرها.

مقاربات لسرديات أطراف النزاعات الرئيسة .

في ظل الحرب القائمة حاليًا في منطقة الشرق الوسط بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ، فإنه من الممكن لهذه المقالة أن تناقش ثلاثًا من المقاربات ، وتقارن بين ثلاث من السرديات أو الروايات التي تمثل اتجاهات وتوجهات الدول الثلاث المشتبكة مع الأوضاع السياسية والعسكرية في بؤر الصراع .

الأولى : رواية الولايات المتحدة الأمريكية . إذ تستند الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية على مزيج مركب من العوامل التي تعتقد أنها تدعم سرديتها وروايتها، فالولايات المتحدة تمتلك الشبكات الواسعة من المنصات الإعلامية ذات التأثير الفاعل ، ولها علاقات وطيدة مع شركات التقنيات الحديثة ، وبخاصة في مجالات مخرجات الذكاء الاصطناعي ، وتربط هذه الميزات بخطاب سياسي وإعلامي ذي صفات قيمية يربط أفعالها بأطر مختلفة من أهمها الديمقراطية وحقوق الإنسان ، والأمن والاستقرار، وتوظف هذا الربط توظيفًا حقيقيًا ومتماسكًا في رواياتها و سردياتها ، مما يمنحها قدرة كبيرة في مجالات خلق الصور الذهنية لدى الجمهور المستهدف، ووضعه على خطوط التماس مع أولويات النقاش لدى الرأي العام.

الثانية : أما المقاربة الثانية فهي تخص إسرائيل كطرف رئيس منخرط حتى أذنيه في الصراع الدائر حاليًا في منطقة الشرق الأوسط ، فلدى إسرائيل استراتيجيات إعلامية تستند إلى مهارات عالية ، وتقنيات متفوقة تمكنها من إدارة الأزمة إعلاميًا ، حيث تظهر نفسها بأنها هي الطرف الضحية ، وبذلك تعمد إلى تكييف رسائلها الإعلامية الاتصالية على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي في إطار الدفاع عن النفس ، واستراتيجياتها هذه مدعومة بعلاقات إعلامية اتصالية متينة ، وبخاصة من وسائل إعلام واتصال غربية مشهورة ، ويضاف لذلك تكامل مؤسسي وإعلامي داخلي في التنسيق لخدمة مصالحها على المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية وغيرها ، لكن الوضع مشوب بالمحاذير من استمرارها في هذه الاستراتيجية التي لا تفرض عليها أية تكاليف ، لكنها تفتح عليها أبوابًا من النقد المحلي والدولي المدعم بالحقائق التاريخية من قِبَلِ الاستراتيجيات الإعلامية للدول الخصوم ، بحيث تتعرض الاستراتيجية الإسرائيلية إلى التآكل والضعف في تماسك روايتها وسرديتها .

الثالثة : اما المقاربة الثالثة فهي معنية بالاستراتيجية الإعلامية للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تواجه خصمين قويين متفوقين عليها في مجالات الإعلام والاتصال الاستراتيجي، لكنها تلجأ حاليًا إلى استثمار إعلامي في منصات إعلامية اتصالية بديلة وتوظفها بطريقة صحيحة من خلال شبكات إعلامية اتصالية اجتماعية ، ومن خلال تبني خطاب سياسي وإعلامي عابر للحدود وخارج إطار الرقابة، ويستند هذا الخطاب على عدة مرتكزات من أهمها تبني " المقاومة وتحقيق العدالة" ، وهذا النهج الإعلامي لا يمنحها كثيرًا من القوة في مواجهة خصميها المباشرين (أمريكا وإسرائيل) ، لكنه يشكل استراتيجية إعلامية تساعدها في إحداث اختراقات مؤثرة في ساحات فضائية محددة ، حيث تلقى استراتيجياتُها هذه استعدادًا مسبقًا من بعض الجماهير المستهدفة والموالية لتوجهاتها سواء أكانوا من الإيرانيين أو من شعوب العالم الأخرى في النظام الدولي ، حيث انها تُحْسِن استثمار الفرص ، واستغلال اللحظات التي تتعرض فيها سرديات وروايات خصميها للاهتزاز او الانكشاف ، مما يتيح لها فرصة تكثيف وتعظيم التأثير النسبي لنهجها الإعلامي الاتصالي الذي يسعى لأن يكون منهجًا إعلاميًا مركزيًا في مجالات الإعلام الرقمي الجديد ، وبخاصة في إطار الصراع السياسي العسكري الجاري حاليًا.

وهنا يمكن لهذه المقالة أن تقدم مقارنة ملخصة بين المقاربات للاستراتيجيات الإعلامية للدول الثلاث المنخرطة ماديًا ومعنويًا وإعلاميًا في الصراع وعلى الشكل الآتي:

1. الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى تحقيق الهيمنة الإعلامية من خلال استخدام أدوات إعلام واتصال أمريكية ودولية ومن خلال الحلفاء ، وربط ذلك بخطاب إعلامي اتصالي مرتبط بمعايير قيمية تتلخص في نشر الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان ، والسعي لتعزيز الأمن والاستقرار في العالم ، مما يعتبر تحشيدًا لتعزيز سرديتها في التدخل في شؤون العالم على اعتبار انها تشكل القطب الواحد الأقوى في النظام الدولي .

2. إسرائيل . يسعى الإسرائيليون من خلال استراتيجياتهم الإعلامية وفي إطار حربهم الإعلامية لتقديم دولتهم بأنها هي الضحية ، وتهدف من وراء ذلك إلى تأمين الشرعية الدولية لكيانهم ، وأن ما يقومون به من حرب مادية ومعنوية إعلامية هي من أجل وجودهم وحماية أنفسهم والدفاع عن منجزاتهم ، وقد وظّفوا لذلك كل الأساليب من خلال استقطاب الصداقات مع منظومات الإعلام الدولي وبخاصة الغربي( الأمريكي والأوروبي)، وينتهجون خطابًا سياسيًا وإعلاميًا دفاعيًا يستند في كثير من الأحيان على عقائد توراتية ، وعلى اعتماد أساليب حرب نفسية وعمليات نفسية وغيرها لتعزيز سرديتهم وتحقيق مصالح دولتهم العليا.

3. الجمهورية الإسلامية الإيرانية . تواجه خصومًا أقوياء إعلاميًا ومهرة في صياغة سرديات أكثر إقناعًا، لكنها تركز في استراتيجيتها الإعلامية الاتصالية على خلق صورة ذهنية إيجابية في أذهان الجمهور المستهدف بأنها صاحبة حقٍّ في تبني خيار المقاومة وتحقيق العدالة على اعتبار أنها لم تكن البادئة في الحرب ، وتسعى لتعزيز سرديتها وإثبات حقها في الدفاع عن نفسها ومنجزاتها التي تحكي قصص سرديتها التاريخية ، حيث تتبنى خطابًا سياسيًا وإعلاميًا يرتكز على شرعية التاريخ والإنجاز ، ويتبنى المقاومة للدفاع عن قضايا بلادها ومصالح العليا ، وهي تُحْسِن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كإعلام بديل لدعم سرديتها وروايتها ، وتسعى لأن يصبح نهجها الإعلامي الاتصالي فاعلًا مركزيًا في الخطاب الإعلامي الرقمي العالمي خلال الصراع القائم حاليًا .

وقبل الختام لا بد لهذه المقالة من إشارة مستعجلة لمستقبل الحرب الإعلامية ، حيث ستكون أخطر وأكثر تأثيرًا وإيلامًا وبخاصة مع تنامي مخرجات الذكاء الاصطناعي التي لها قدرات هائلة في مجالات تغيير وتلوين الحقائق وتزييف شرعية التاريخ ، وتشتد خطورتها مع انتشار وتطور الحرب السيبرانية ، وتزايد تأثير الإعلام البديل الذي يتبلور في مزيد من الشبكات الإعلامية عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، يضاف لذلك تحول الجمهور من متلقٍ للخبر والمعلومة إلى فاعل رئيس في تكوين الرأي العام الذي يشكل دورًا ضاغطًا على صانع ومتخذ القرار العسكري والسياسي .

لقد أصبحت الحرب الإعلامية مكونًا أساسيًا في الحروب والأزمات والصراعات السياسية والعسكرية بعامة ومع تنامي الإعلام الرقمي ووسائله وتطبيقاته ، وبروز ظاهرة المواطن الصحفي ، الأمر الذي أحدث تغييرًا جوهريًا وترك أثرًا باقيًا وتأثيرًا فاعلًا ، مما غير أسس وملامح قواعد الاشتباك وأصول لعبة الحرب ، الأمر الذي أدّى إلى ارتخاء قبضة السلطات التي لم تَعُدْ بوابة إعلامية رئيسة مسيطر عليها بموجب تشريعات وقوانين وأنظمة وتعليمات ، ذلك لأن الفضاء الإعلامي أصبح أكثر اتساعًا وعابرًا للحدود دون رقابة .

وعلى صعيد آخر برز صعود نجم مفهوم إدارة الإدراك الذي يشكل عملية عقلية ونفسية تهدف إلى تغيير الصورة الذهنية والانطباعات والتفسيرات ومعتقدات الذات والآخر تجاه أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو مواقف وتوجهات معينة ، سواء أكانت سياسية أم عسكرية أم اجتماعية ، حيث أن ليس جميع الناس يدركون الحقيقة كمادة خام ، بل يفسرونها استنادًا إلى خبراتهم السابقة ، وتوقعاتهم وثقافاتهم من خلال ما يطلق عليه مسمّى أو مفهوم (التوقع الإدراكي)، بمعنى أن إدارة الإدراك هي فن توجيه التفسير للأحداث والمعلومات لتحقيق أهداف محددة.

وفي النهاية إذا كان لهذه المقالة أن تقدم توصية فإنها تركز على : تطوير استراتيجيات إعلامية اتصالية ، واجتراح سياسات إعلامية لتعزيز الوعي الإعلامي من خلال الاستثمار في الإعلام الرقمي الجديد من أجل بناء قدرات متميزة في مجالات تحليل البيانات التي ترشد القرار السياسي والعسكري لتحقيق المصالح العليا للدولة وتحقيق أهدافها الوطنية، ذلك لأن الحرب الإعلامية تمتد بأثرها وتأثيرها ليس فقط على الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي ، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى عمق متطلبات الأمن الوطني ، وربما التأثير عليها من حيث خلط مفاهيم الهوية ، وزعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية ، حيث أن الحرب الإعلامية تؤدي دورًا مهمًا في تغييب شمس الحقائق الأصيلة وتنزع عنها صفة الاكتمال والكمال، بحيث تصبح الحقيقة نسبية ، وتصبح صناعة الرواية والسردية سلاحًا مهمًا في تغيير وربما قلب المعادلات والمعايير التقليدية للقوة ، فيما أصبحت ساحات العقل البشري ميدانًا للمعارك الرئيسة لتحقيق أهداف الحرب، لذا ترسخت مقولة أن الدولة التي تنجح في إدارة الحرب الإعلامية هي التي تكسب ، أما التي تفشل في إدارتها فستجد نفسها خاسرة في معركة إدارة الإدراك قبل الخسارة في العمليات القتالية على الأرض، ففي معركة الإدراك تصبح الحقائق نسبية غير مكتملة ، والسردية المتماسكة سلاحًا والعقل البشري ساحةً لهذه المعركة .

مدار الساعة (مجلة جند عُمان العسكرية (العدد 593 ابريل 2026)) ـ