أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

استراتيجيّة الضغط


د. صلاح العبادي
صحفي أردني - مدير مركز الرأي للدراسات

استراتيجيّة الضغط

د. صلاح العبادي
د. صلاح العبادي
صحفي أردني - مدير مركز الرأي للدراسات
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

من يتابع مشهد التطورات السياسيّة والعسكريّة بين الولايات المتحدة الأميريكيّة وإيران، يدرك تمامًا أنّ واشنطن أدركت أهمية الحرب الاقتصاديّة ضدَّ طهران، وأهميتها التي تتعاظم مقارنة مع العمليات العسكريّة؛ إذ أنّ تضييق الخناق الاقتصادي على إيران ومحاصرة الموانئ الإيرانيّة، هو أكثر وقعًا عليها من العمليات العسكريّة السابقة.

الرئيس الأميريكي دونالد ترامب الذي وافق على هدنة مع إيران منذ السابع من نيسان الماضي، وقرر تمديدها جرّاء طلب الوسطاء وجهودهم، أدرك بأنّ العمليات العسكريّة التي نُفذت خلال الأربعين يومًا منذ الثامن والعشرين من شباط الماضي أسهمت في توحيد الجبهة الداخليّة الإيرانيّة على عكس ما يحدث الآن من انقسامات واضحة في الداخل الإيراني، مع تضييق الخناق الاقتصادي على إيران، وتزايد معدلات الفقر والبطالة وارتفاع مؤشر التضخم لأرقام غير مسبوقة، مع حرمان طهران من عائدات النفط التي كانت تجنيها خلال الفترة الماضية رغم استمرار الحرب، والتي كانت توظفها في التسليح العسكري وتمويل مشاريعها النوويّة والبالستيّة؛ ودعم الأذرع والوكلاء في المنطقة، على حساب قوت المواطن الإيراني.

منذ سريان الهدنة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الحرب ضد إيران، فإن وكالة الاستخبارات الأميركية تدرس ردود الفعل الإيرانيّة المحتملة في حال قرّر الرئيس ترامب إعلان نصرًا أحاديًا بينما إيران هي تحت الضغط.

إيران اليوم بين إمّا إنفراجة دبلوماسيّة أو عملية انتحار للمنشآت النفطيّة والآبار وبالتالي انهيار اقتصادي متسارع؛ فإيران دخلت مرحلة حرجة في تخزين النفط تحت ضغط الحصار الأميريكي على موانئها.

أيامٌ قليلة تفصلُ إيران عن الشلل التام في قطاع النفط، جرّاء الحصار الأميريكي على موانئها؛ إذ تهاوت الصادرات بنسبة تزيد عن سبعين بالمئة، وهنا أجبرت القيود التشغيليّة طهران على البدء في خفض الانتاج، وهو الأمر الذي ينذر بضائقة ماليّة كبرى ستواجهها طهران في الأشهر المقبلة.

وبالأرقام تراجعت صادرات النفط إلى متوسط خمسمئة وسبعةٍ وستين في الأيام الأخيرة بعدما سجلت الصادرات متوسط ١.٨٥ مليون برميل يوميًا في شهر آذار الماضي.

طهران حاولت البحث عن مخارج عبّر ميناء شابهار؛ لأنه يقع خارج مضيق هرمز وتحديدًا على بحر عُمان، حيث تتجمع ناقلات عملاقة قبالة السواحل، تحوّل معظمها إلى خزانات عائمة تحمل ملايين البراميل التي لم تعد اليابسة تتسع لها.

وإيران حاليًا تحتفظ بنحو مئة وأربعة وثمانين مليون برميل على الماء، منها نحو ستين مليونًا عالقة تمامًا داخل منطقة الحصار؛ ما يجعل هذه الشحنات أصولًا مجمدة لا يمكن تسييلها.

الحصار البحري المفروض على إيران وتجديد القيود الاقتصاديًة جعل طهران تتجه لتعزيز اعتمادها على منافذ بديلة، لتخفيف آثار العزلة، وفي مقدمتها ميناء تشابهار الاستراتيجي والذي يقع في الجنوب شرق إيران على ساحل خليج عُمان؛ ويعد المنفذ البحري الوحيد الذي يربط البلاد مباشرة مع المحيط الهندي، ما يمنحه موقعًا محوريًا في معادلة التجارة الإقليميّة.

ويتكون الميناء من منشأتين رئيسيتين ويضم عددًا من الأرصفة المخصّصة لمناولة مختلف أنواع البضائع مع خطط مستمرة لتوسيع قدراته، وتعزيز دوره في حركة التجارة الإقليميّة والدوليّة.

ويكتسب الميناء أهمية من قربه من أفغانستان ودول آسيا الوسطى غير الساحليّة، مما يجعله ممرًا استراتيجيًا يتيح تنويع طرق التجارة والتقليل من الاعتماد على الموانئ المنافسة. كما يستخدم الميناء كمنفذٍ بديلٍ في ربط الهند مع أفغانستان عبّر الأراضي الإيرانيّة ضمن اتفاقيات عبور تهدف لفتح مساراتٍ تجارية جديدة، وتعزيز تدفق البضائع خارج الأطر التقليدية في المنطقة.

نفذت مهلة الستين يومًا لإنهاء حرب إيران، وسط غموض يحيط بخطوة الرئيس ترامب المقبلة.

القانون الأميريكي يلزم الرئيس إنهاء العمليات العسكريّة خلال ستين يومّا، ما لم يحصل على تفويض من الكونجرس مع امكانية تمديدها ثلاثين يومًا إضافية.

وهو ما ينطبق على الحرب، لكن ترامب يدفع باتجاه قراءة مختلفة للمهلة القانونيّة. إذ يقول إنها عملية عسكريّة ولا يمكن أن تطبق عليها قوانين الكونجرس كحرب. فيما يقول مسؤول كبير في إدارته إن وقف إطلاق النار في نهاية نيسان أنهى الأعمال القتالية قانونيًا، وما يحدث الآن هو حصار بحري.

تصريحات كبار مسؤولي الادارة الأميريكيّة تأتي وسط ترقبٍ لمسار حرب إيران بعد تلقي ترامب إحاطة من كبار القادة العسكريين بشأن خيارات تصعيد محتملة. بينها توجيه ضربة قوية نهائية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي مع استمرار جمود المفاوضات. وليس من المستبعد أن يخطر الرئيس ترامب المشرّعين لتمديد المهلة ثلاثين يومًا لإنهاء الحرب أو يتجاهل الموعد النهائي؛ باعتبار أن وقف إطلاق النار أنهى الصراع.

مما لا شك به بأنّ إدارة الرئيس ترامب أدركت حجم ما أنفق على هذهِ الحرب والتي وصلت إلى نحو الخمسين مليار دولار، في أوقات استطاعت أن تكبد إيران خسائر فادحة رغم جرّاء الحصار الاقتصادي المفروض على الموانئ رغم توقف العمليات العسكريّة الاميريكيّة، وهو أمر عاد بنتائج أكبر من نتائج استمرار الحرب.

يبدو بأنّ الاستراتيجيّة المفضلة للرئيس ترامب تجاه إيران في المرحلة الحالية هي تقوم على ممارسي أقصى درجات الضغط الاقتصادي على إيران.

وليس من المستبعد أن يوسع الرئيس ترامب القيود المفروضة على الموانئ الإيرانيّة بما في ذلك فرض حصار طويل الأمد على مضيق هرمز، وكذلك ميناء شابهار؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يدفع إيران لتقديم تنازلاتٍ على طاولة التفاوض، إلى جانب زيادة الضغوط الداخليّة عليها؛ للقبول بشروط واشنطن.

الأيام المقبلة ستكشف عن ما يخطط له عقل النظام الإيراني، الذي يفكر بآليات جديدة لكسر الحصار المفروض عليه، من خلال تصدير ما يمكن تصديره من النفط الإيراني إلى الصين عبّر القطارات، واستيراد مواد غذائيّة من القوقاز والباكستان، بما يضمن الحيلولة دون التسارع في إنهيار الدولة اقتصاديًا، والتي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعار المواد الغذائيّة وتراجع القدرة الشرائيّة لمواطنيها بشكلٍ كبير.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ