حين تُدار الأزمات على موائد الفقراء تكون العبقرية الاقتصادية قد وصلت إلى ذروتها، وعندما يوجه طلب "التقشّف" من مواطن بالكاد يجد قوت يومه، حيث يُطلب منه أن “يتقشّف” ولا أحد يشرح له كيف، تكون حينها الرسالة واضحة، فالقصد هو أن يقال له:
عزيزي المواطن اضغط على نفسك أكثر، فالدولة لا تنوي أن تضغط على أي شيء آخر .....!!!لقد بحثت عن تعريف بسيط للتقشّف، فوجدت تعريفه هو "تقليل الفائض" ،، لكن أي فائض هذا الذي نتحدث عنه ..؟ فهل لدى من يعيش على حد الكفاف مخزون سري من الرفاهية أخفاه عن أعين صانعي القرار ..؟ أم أن المطلوب هو إعادة اختراع البقاء ، حيث نصف وجبة بدل وجبة ، ودواء عند الضرورة القصوى فقط ، وتدفئة تُدار بمنطق “البرد المحتمل لا القاتل” .....!!!!أقسم بالله العظيم أن المشهد أقرب إلى نكتة ثقيلة ،، فموظف محدود الدخل يُنصح بتقليل استهلاك اللحوم وكأنه يتناولها يومياً ، أو يُطلب منه ترشيد الكهرباء وكأنه يعيش في قصر مضاء على مدار الساعة ...!!!لقد بت اعتقد جازماً بأن الحقيقة من طلب “التقشف” هنا لا يعني إلا شيئاً واحداً وهو نقل عبء الفشل من مكاتب القرار إلى جيوب الناس .... على كل حال فلنكمل النصائح الذهبية: أعد ترتيب أولوياتك ... ممتاز ، ولنجرب العمل بالنصيحة وبلغة الاقتصاد والتقشف كالتالي :هل نقدّم الإيجار على الدواء ، أم الدواء على الطعام ..؟ هل نؤجل تعليم الأبناء أم نؤجل الطعام نفسه ..؟ والله أن هذه ليست إدارة موارد ، بل هي إدارة أزمات وجودية داخل كل بيت ....!!!وتجد السخرية تبلغ حدّها حين يُطرح التقشف "كفضيلة أخلاقية" وكأن المواطن الفقير كان يعيش في ترف ، فجاء من يذكّره بضرورة التواضع ،، أو كأن المشكلة كانت في سلوك المستهلك لا في بنية الاقتصاد ، ولا في بطالة مزمنة ، ولا في تضخم يلتهم أي زيادة قبل أن تصل ....!!!! علينا أن نعلم بأن الحقيقة التي لا يراد قولها بوضوح هي أن التقشف بصيغته الحالية ليس إصلاحاً اقتصادياً ، بل هو إجراء محاسبي يُجمّل الأرقام ويشوّه الواقع ، وهو تقشف انتقائي يُطبّق على من لا يملكون ، ويتجاهل من يملكون القدرة على تحمّل نصيب أكبر من العبء ....أما حكاية “نصف رغيف اليوم ونصفه للغد” فهي ليست مبالغة ، بل توصيف دقيق لمسار يُراد له أن يصبح طبيعياً ، وعندما يصل النقاش إلى هذه المرحلة ، فلا جدوى من تجميل المصطلحات ، لأننا لا نتحدث عن تقشف ، بل عن تقليص الحياة نفسها إلى الحد الأدنى ....لذلك إن كان لا بد من التقشف ، فليبدأ من حيث يجب : من الهدر .من الامتيازات غير المبررة .من الإنفاق الذي لا يعود على الناس بشيء .....وغير ذلك ، فكل ما يُطلب من المواطن هو ليس تقشفاً ،، بل هو صبر على ما لا يُطاق ....والله المستعان .