أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: هاجس صعود حركات احتجاج شعبية في الأردن


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: هاجس صعود حركات احتجاج شعبية في الأردن

مدار الساعة ـ

لفت انتباهي مقال في إحدى الصحف المحلية يحذّر فيه كاتبه الذي نحترمه الحكومة الأردنية من صعود حركات احتجاج شعبي، رابطاً ذلك بتداعيات المواجهة الأمريكية–الإيرانية، وما نتج عنها من أزمة اقتصادية عالمية وارتفاع في أسعار الطاقة، وانعكاسات ذلك على الاقتصاد الأردني. طرحٌ يستند إلى معطيات واقعية في جانب منه، لكنه لا يكتمل دون الإشارة إلى أن الدولة الأردنية، قيادةً ومؤسسات، كانت ولا تزال تقرأ هذه التحولات بوعي مبكر، وتتعامل معها ضمن رؤية متدرجة ولم تكن يوماً غافلة عن هذه التحديات بل سبقت كثيرين في قراءتها والاستعداد لها.

لذلك منذ بداية التصعيد العسكري في العام الماضي والذي بلغ مستويات مقلقة قبل أن يتوقف عند حدود حرب غير مكتملة كان واضحاً أن المنطقة مقبلة على مرحلة دقيقة. وفي هذا الإطار، تعاملت القيادة الأردنية مع التطورات بحذر استراتيجي، إدراكاً منها لحجم الانعكاسات المحتملة على مختلف القطاعات، لا سيما الاقتصادية منها.

وعلى الصعيد الاقتصادي لا يمكن إنكار حجم الضغوط التي يواجهها العالم اليوم من ارتفاع أسعار الطاقة إلى اضطراب سلاسل التوريد، وهي عوامل تنعكس بشكل مباشر على دول ذات موارد محدودة كالأردن. ومع ذلك، فإن ما يجري التعامل معه ليس مجرد أزمة عابرة، بل سلسلة من التحديات المتراكمة التي تتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين حماية الاستقرار المالي وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

أما فيما يتعلق بالحديث عن احتمالات تصاعد الاحتجاجات، فمن المهم التأكيد على أن المجتمع الأردني يتمتع بدرجة عالية من الوعي السياسي والاجتماعي، وقد أثبت مراراً قدرته على التعبير عن مطالبه ضمن أطر سلمية ومسؤولة. هذا الوعي يشكل صمام أمان حقيقياً ويعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة وحساسيتها.

وفي خضم هذه الظروف تبرز خطورة المحاولات الخارجية لاستثمار الأزمات والتوترات بهدف التأثير على الداخل الأردني أو توجيه الرأي العام بما يخدم أجندات لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة. فالأردن، الذي حافظ على استقلالية قراره السياسي عبر عقود يدرك تماماً أن بعض الأطراف في الإقليم تسعى إلى توسيع نفوذها بوسائل غير مباشرة مستغلة الظروف الاقتصادية والضغوط المعيشية. إلا أن وعي الدولة والمجتمع معاً يشكلان سداً منيعاً أمام هذه المحاولات ويؤكدان أن الأردن سيبقى عصياً على الاختراق ثابتاً في مواقفه ومنحازاً أولاً وأخيراً لمصالحه الوطنية العليا.

نعم هناك من راهن خلال الحرب على قوى إقليمية وذهب بعيداً في "التطبيل" لها من منطلقات عاطفية أو شعارات براقة متناسياً أن تلك القوى لا تنظر إلى الأردن إلا من زاوية مصالحها الخاصة. اليوم، ومع تصاعد التوتر في الاقليم نجد أنفسنا أمام واقع قد يُفرض فيه على الأردن دفع أثمان لا علاقة له بصناعتها. وهذا بحد ذاته تحدٍ كبير يتطلب وعياً وطنياً جامعاً.

الاّ أنه في بعض الأحيان وخلال فترة الحرب تم استثمار العواطف الشعبية الجارفة لفئة بسيطة من الشعب خصوصاً حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية وذلك في سياقات سياسية لا تخدم مصلحة القضية ذاتها بل تُستخدم كمدخل للتأثير على الرأي العام أو توجيهه باتجاهات محددة. وهنا يكمن الخطر في خلط الموقف الإنساني والوجداني الصادق تجاه القضية الفلسطينية مع حسابات سياسية إقليمية معقدة لا يكون للأردن فيها أي مكسب حقيقي بل تجر عليه أعباء إضافية.

وعند النظر إلى التجربة الأردنية يتضح أن المملكة لطالما أثبتت قدرتها على تجاوز الأزمات مهما تعقدت الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها. فقد تمكنت عبر تاريخها من التعامل مع تحديات كبيرة بثبات وحكمة مستندة إلى وعي شعبها وتماسك جبهتها الداخلية. واليوم ورغم صعوبة المرحلة فإن الأردن يمتلك من الخبرة والإرادة ما يؤهله لمواصلة هذا النهج.

إن التحديات التي نواجهها اليوم، على صعوبتها، ليست قدراً محتوماً بقدر ما هي اختبار جديد لقدرتنا على التكيّف والصمود. والأردن، الذي نجح مراراً في اجتياز ظروف أشد قسوة، قادر على أن يواصل هذا المسار بثقة مستنداً إلى قيادة واعية ومؤسسات راسخة وشعب يدرك أن قوة الوطن تكمن في وحدته وصلابة موقفه.

مدار الساعة ـ